في يوليو العام 1967، شهدت مدينة ميونيخ الألمانية حادثة لم تكن غريبة من نوعها في ذلك الزمان، حيث قررت صحيفة «ناسيونال تسايتونغ» في لحظة طيش أن تتحدى وكالات الأنباء الأميركية والهيمنة الدولية الإسرائيلية لتقول لقرائها: «إن إسرائيل التي تتهمنا بالهمجية، ترتكب الآن تحت سمع العالم وبصره أسوأ جرائم الحروب القذرة». وكانت الجريدة تشير إلى ما تفعله إسرائيل بالعرب مقارنة باتهامات إسرائيل بما حدث في الحرب العالمية الثانية من الألمان. ولم تفعل الصحيفة ذلك خدمة لقضايا العرب أو حباً في فضيلة الصدق، بل كانت تهدف إلى إثارة قضية التعويضات الألمانية لإسرائيل وتهدف إلى التحريض على إلغائها... وذلك من واجب وطني تجاه ألمانيا بالدرجة الأولى.فتفجرت صحف ألمانيا بنفسها غضباً لعيون أميركا وإسرائيل، وغضب مدير الشرطة بشحمه ولحمه ودق ضلوع رئيس التحرير وأغلقت السفارة الأميركية أبوابها احتجاجاً على وقاحة تلك الصحيفة، وحطم «بلطجية ميونيخ» الصحيفة... وكل ذلك تم بأيدي الشعب الألماني الذي اعتقدت الصحيفة أنها تخدم قضاياه.حادثة لم تكن غريبة من نوعها على الإطلاق في زمن عاش فيه الصادق النيهوم، الذي ينقل لنا هذه الواقعة ووقائع أخرى كثيرة قرر فيها شعب أوروبا وصحفها أن يدافعوا عن إسرائيل أكثر مما تدافع هي عن نفسها مقابل مزيد من الإعلانات وآلات الطباعة الملونة ومزيد من الاستثمارات.ويتساءل النيهوم في نهاية مقاله بحسرة عربي مهزوم: «ماذا يريد العرب من صحف أوروبا؟ وما الذي تعنيه مؤتمراتنا التي تصرخ في طلب مزيد من الدعاية؟».ولا يسعنا ونحن نقرأ مقالات الصادق النيهوم بعد خمسين سنة، سوى أن نترحم عليه ونطلب له جنات الخلد جزاء، وفاقاً لما احتلته القضايا العربية عموماً والفلسطينية خصوصاً من مساحات جعلته يختنق حتى مات وهو يتساءل عن جدوى القوة الناعمة والديبلوماسية في مناصرة قضايانا؟ولكن الأمور تغيرت كثيراً الآن... فلم تعد لإسرائيل تلك القوة الديبلوماسية التي كانت لها من قبل ولا أدوات الضغط الفاعلة. فعلى سبيل المثال، فقد فشل الكيان الصهيوني في جعل الدول المهمة تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل. ورغم أن نتنياهو وصف الإعلان بأنه «حدث تاريخي»، إلا أنه هو وحزبه ورأس المال الصهيوني وأميركا ومكرهم الذي تزول منه الجبال، لم يفلحوا في إقناع من أقنعوهم من قبل بالاعتراف بدولة إسرائيل، ولم ينجحوا اليوم سوى في إقناع التوغو وهندوراس وغواتيمالا وجزر المارشال وميكرونيزيا وناورو وبالاو، وهي دول كما ترى عزيزي القارئ ليست فقط من الدول التي لا يستدل عليها في الخرائط، ولكن أيضاً من الدول التي لا يستدل عليها حتى في ملاعب تنس الطاولة.غالبية دول العالم رفضت القرار، بما فيها ألمانيا ذاتها التي دكت ضلوع رئيس التحرير من قبل، ودول امتنعت بما فيها غينيا الاستوائية رغم تهديد أميركا بوقف المساعدات لكل من يجرؤ على عدم الوقوف مع قرارهم، وأقسى ما يستطيع فعله نتنياهو الآن هو الحصول على موافقة الفيلبين أو التشيك نظير أموال طائلة تتخطى الحسابات.إن رفع علم فلسطين على مبنى الأمم المتحدة من قبل، والانضمام إلى محكمة العدل الدولية ومنظمة اليونيسكو وغيرها من المنظمات، يراكم الانتصارات الديبلوماسية التي حققتها فلسطين، على حساب الهزيمة الديبلوماسية للكيان الصهيوني، ولا يستطيع المرء أن يفسر لغز هزيمة مثل هذه إلا في تحركات تمثلت في استراتيجية الرئيس محمود عباس الذي قرر عدم التضحية بأبناء الفقراء في انتفاضات شعبية أمام جيوش من المرتزقة المتسلحة جيداً، والالتفات بكل قوته إلى الساحات الدولية عندما لاحظ أنه قد سال دم كثير بين أزقة المدينة، وسال حبر أكثر على أوراق الصحف العربية من دون فائدة، بالإضافة إلى جهود آلة إعلامية وثقافية شعبية طرحت القضية للعالم بطريقة جعلت الجميع يعترف بما لم يعترف به الأوائل الذين اعترفوا بالكيان الصهيوني نفسه كدولة من قبل.إن طرد رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم للوفد الإسرائيلي من مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي مع هالة من التصفيق العالمي من رؤساء البرلمانات في المؤتمر عند لملمة الوفد الإسرائيلي حقائبه للخروج، تزامناً مع فوز دولة الكويت بمقعد غير دائم في مجلس الأمن لمدة سنتين بدأت في يناير 2018، كل ذلك يجعلني كشاب كويتي أفتخر بمشاركة الكويت في هزيمة الكيان الصهيوني ديبلوماسياً. وفي زمن أصبح الجميع فيه يمتلك مهارة إخفاء الأخبار السارة، كان ينبغي أن أشير ولو من بعيد إلى أننا ما زلنا نقاتل ونكسب مساحات... صحيح أنها ليست في مساحات الأراضي، ولكنها منصات ديبلوماسية مهمة من دونها يختفي الشعب وليست الأراضي فقط.والقادم أفضل... ووعد الله حق.كاتب كويتيmoh1alatwan@
مقالات
خواطر صعلوك
إني أرى نتنياهو... عارياً!
12:11 ص