بيتهوفن الشخصية العبقرية المعجزة، ولد في 17 ديسمبر 1770، وتوفي في 26 مارس 1827 وهو في السادسة والخمسين، وفي وصيته الأخيرة (بتصرف) كتب رسالة إلى أخويه كارل وجوهان، يقول فيها:«يا من كنتما تحسبان أني إنسان عنيد أكره الناس، ما أظلمكما، إنكما تجهلان السبب الخفي، فإني منذ الطفولة كنت أحس أن نفسي وقلبي يتجهان نحو الخير، وكنت على استعداد دائما للقيام بأعمال عظيمة، لكن لا تنسيا أني منذ أعوام ستة أصبتُ بداء قاس زاده خطرا عجز الأطباء، وقبلها ألفيتُ نفسي مرغما على العزلة قبل الأوان، بتجربتي المؤلمة في فقدان السمع، لم أتجرأ يوما وأقول للناس تكلموا بصوت عال، صيحوا إني أصم، كيف أعترف وأعلن ضعف حاسة كان ينبغي أن تكون أقوى مما عند جميع الناس، لذا أرجو أن تصفحا عني، وأيتها القدرة الإلهية إنك لترين من عليائك ذلك القاع السحيق في أعماق قلبي وتعرفين إنه عامر بحب الإنسانية والرغبة في عمل الخير، وأوصيكما أن تعلما أطفالكما الفضيلة فهي وحدها لا المال السبيل الحقيقي للسعادة، ولها يرجع الفضل في إنقاذي من الانتحار». كان عُمره 26 سنة عندما فقد السمع، وأصبح يتجنّب المُحادثات مع الناس، وانتقل عام 1802 للعيش في مدينة الجمال والطبيعة الخلابة فيينا. وفي 1811، أُصيب بمرضٍ خطير وبناءً على نصيحَة طبيبه، أمضى سِتّة أسابيع في غابات بوهيميا عِند الينابيع الساخنة في تبليتسه، وقد قمتُ بزيارة المكان الرائع لأتعرف على جنة بيتهوفن التي كتب فيها رسالته إلى الحبيبة الخالدة.كان بيتهوفن يائساً من حياته، فالصمم وآلامه المزمنة أدّت به إلى التفكير في الانتحار، لكنه تحدى الصمم والألم وقاوم، وعندما ألّف السيمفونيّة التاسِعة كان لا يَسمع مِنها شيئاً، وخِلالَ العَرضِ الأوّل للسيمفونيّة عام 1824، كان الجمهور يحييه بالتصفيق والوقوف وإلقاء القبعات والمناديل في الهواء، في محاولة للفت انتباهه ليرى إعجابهم وحبهم. تحدي الصمم، والشغف بالموسيقى، جعلا من بيتهوفِن يواصل التأليف، لكن صار من الصَعبِ عليه أن يَعزِف في الحفلات، ومنذ عام 1814 أصبح يستخدِم المُحادثات الكِتابيّة للتخاطب مع الناس، واستمرّ في استخدامِها طيلةَ السنوات المتبقية مِن حياتِه.لم يتمكّن بيتهوفن من الزواج، بسبب الفوارق الطَبقية، حيثُ إنّ القدر شاء أن يتعلق قلبه بنساء من الطبقة الارستقراطية، أولَهن جوليتا جيجياردي، وذكر حبه في رِسالةٍ إلى صديق صِباه فرانز واغلر في 1801، وأخبره أنّه لا يتوقّع الارتباطَ بِها لاختِلاف الطبقات، وقد أهداهَا السوناتا الرقم 14 المعروفَة باسم «ضوءِ القمر». كما أحَبّ جوزفين برانسفيك التي كانَ يُعلمها الموسيقى، وقد زادَت علاقَتُه بِها بعدَ وفاةِ زوجِها المُفاجِئ في 1804، وكَتب 15 رسالَة حُبّ إليها، ولكنه لم يَتزوجها رُغم أنّها تُبادِله المشاعِر نفسها، بسبب انها من النبلاء. ورحلَت مع عائِلتها عن المدينَة في 1807، خشية أن يُسحَب مِنها حقّ رِعايَة أطفالِها إذا تزوّجت برجلٍ من عامّة الشعب؛ واقترنت بالبارون فون ستاكلبرغ.ثم وقع بيتهوفِن في حُبّ تيريزا مالفاتي عام 1810، وأهدى إليها المقطوعَة الشهيرَة «من أجل إليزا»... وللفارق الطبقي لم يستَطِع الزواجَ مِنها أيضاً.لذلك أصبح بيتهوفن متمردا على عصره، يسخر من السُلطات والمجتمع الطبقي، ولديه كبرياء واعتزازُ كبير بنفسه، وحياته عبارة عن ثورة على الارستقراطية والذلّ والعبوديّة، وكان مُتأثّراً جدا بالفِكر التنويريّ.وعندما كان يؤلف سيمفونيّته الثالثة عام 1804 ليُهديها إلى ابن الثورة الفرنسيّة نابليون، جاء أحد تلامذُته ليُخبره بإن نابليون أعلن نفسه إمبراطوراً، فاستشاط غضباً وقال: «لقد أصبح كباقي الناس، جاء ليدوس على حقوق الإنسان، ويتمادى في تحقيق أطماعه الشخصيّة». واتّجه بيتهوفن إلى المكتب وأمسك بصفحة عنوان السيمفونية، وعليها اسم «بونابرت»، ومزقها ورمى بها أرضاً، وغيّر اسمها إلى سيمفونية «البطولة».كان بيتهوفن يُهاجم الكنيسة والدولة والسلطات القائمة في البلاط الإمبراطوري، بلا خوف ولا تردد. وفي مطلع 1813 مرّ بمرحَلة نفسيّة وعاطفيّة صعبة في حياتِه، وانخفض إنتاجُه الموسيقي، حيث كان عليه الاعتناء بشقيقه المُصاب بالسل وإعالةُ أسرته، مما سبّب له ضائقةً ماليّة.ورغم شخصيّته المزاجيّة، إلا أنه كان مُحاطاً بالأصدقاء دوما، واستمرّ على علاقته بالناس حتّى آخر يومٍ من حياته.ويُعتبر بيتهوفن أوّل من نادَى بالحقّ المادي والأدبي للموسيقيين، وأول من عاش عصاميا حرا من نتاج عبقريته وفنه، فقد كان الموسيقيّون قبله يُعتَبرون خدماً لأفراد أو هيئات، فمثلاً جوزيف هايدن عاشَ يرأس المجموعة الموسيقيّة في قصر «الأسترهازي». وكان يلبِس لباس الخَدم؛ وموزارت كان يجلِس مع الخدم في القصر، أما بيتهوفن فكان يجلس مع الملوك والأمراء ويأكل معهم، لذلك يعتُبِر بيتهوفن خاتمة الكلاسيكيين وأول المتمردين الرومانسيين، وسيبقى تراثه الموسيقي العبقري تتوارثه الأجيال على مرّ العصور والأزمان.aalsaalaam@gmail.com