إن توجه كثير من نجوم «السوشيال ميديا» رغم النجاح الذي أحرزوه في طلب الرزق الرقمي، إلى مجال الكتابة والكتاب في شكله الورقي، يشكل حجة قوية حول أن سلطة الكتابة الورقية وحبر المطابع مازالت تحتفظ بهيبتها، صحيح أن بعضهم قد غسل «شراع» هذه الهيبة، إلا أن الحجة هنا تتوجه نحو أولئك الذين يبشروننا ليل نهار، وبمناسبة ومن غير مناسبة بأن الكتب الورقية ستنتهي والصحافة الورقية ستلطم على خدودها وتشق جيوبها وتحتضر بينما يتم الإعداد لمراسيم دفنها، من دون أن يلاحظوا أنها تشكل مرجعاً وامتداداً مهماً لـ «السوشيال ميديا».إن إقبال الناس على كتاب «النار والغضب» للمؤلف الأميركي مايكل وولف والذي عبر عن ما يهم الأميركان من شغفهم بفضائح رؤسائهم، إقبالاً يساوي وأكثر ما حصل مع كتاب «لا تحزن» والذي عبر عن حال العرب وشغفهم بمن يطبب جراحهم، وانتشار «النار والغضب» كالنار في الهشيم وترجمته الفورية بعد صدوره في 5 يناير 2018، وتصدره أعلى قائمة المبيعات بتصدره الورقي بأرقام تتعدى أعلى عمليات الرتويت الرقمي لجمل أكثر اختصارا من مؤلفين أكثر شهرة ومتخصصين في الفضائح، كل ذلك يوضح أن الكتاب الورقي حتى على المستوى السياسي هو الأكثر تأثيرا من تغريدات ترامب الفضائحية.لا أحاول أن أقلل من جهد النسخ الإلكترونية للقراءة أو العرائض السياسية المنشورة في تويتر وفيسبوك، ولكني أحاول أن أهدّئ من روع الوعاظ والمبشرين باختفاء الورق والتحقير منه لمصلحة الـ «داتا»، من دون أن أشير ولو من بعيد إلى كمية الدراسات التي تعلي من قيمة الورقي على الرقمي.واستخلاص قناعة مفادها أن الكتاب التقليدي المطبوع على ورق مطوي وموضب، ليس في وارد الاندثار في الفضاء الرقمي، هي قناعة مبشرة من مؤرخ مثل دارنتون الجالس على كرسي مدير مكتبة هارفرد.عزيزي القارئ... إن الوردة التي سيرسلها لنا صديقنا في عيد الميلاد العام 2050 ستفقد الكثير من قيمتها لأنها ستكون عبارة عن «أبلكيشن» يساعدنا على استنشاق الروائح التي تحتاج للشاحن والترقية والتحميل من الويب، والمنزوع منها متعة الاقتناء والتقليب واللمس والتحكم والانسيابية والاحتفاظ ومداعبة ما تبقى منها، وهذا هو ذاته ما يجعل للورق قيمته في القادم من الأيام.لا شك أن في الصحافة الورقية مهناً واختصاصات صمدت أجيالاً دون أن تنهار، ودخول الصحافة الإلكترونية يهددها في عقل دار تخصصها، ولكننا أيضا علينا أن نتساءل حول مدى صحة إطلاق كلمة «صحافة» على مواقع تواصل اجتماعي عربية يغلب على الجزء الأكبر منها صفة نقل الخبر وليس صنعه، مع غياب شبه تام للمهنية وأدبيات الصنعة.وسيكون من المجحف عدم الاعتراف بوجود صحف إلكترونية اثبتت بما لا يدع مجالا للشك أنها نجحت في دورها التثقيفي لجماعات كبيرة بطرق غير مسبوقة، وبنقل الخطاب الشعبي للسلطة من دون وسيط أو فلاتر، مع قدرة سريعة على التقاط الحدث، بل والتقاط الورقي لأخبارهم.ومهما يقال، فإن ما يقال عن الإلكتروني السيئ قد يقال أيضاً عن الورقي الأصفر، لذلك فالموضوع برمته ليس عن صنمية المقارنة السطحية التي تختزل النقاش في أيهما أفضل، ولكننا نناقش في وجوب احترام الورق وما يمثله كحافظ مضمون للمعرفة حيث سنحتاج دائما إلى الورق. كاتب كويتيmoh1alatwan@