ينقل لنا الروائي اليوناني نيكوس كازانتزاكيس في رائعته «المسيح يصلب من جديد» شخصية يمكن أن نسميها في ثقافتنا «بلاع البيزة»، وهو لاداس العجوز أحد أعيان القرية النائية الذي يساهم هو وأعيانها بشكل أو بآخر في صلب المسيح كل يوم من جديد.ولاداس العجوز يملك أموالاً طائلة، ولكنه عندما مرضت ابنته ذات السبعة عشر عاماً رفض أن يستدعي لها طبيباً من المدينة بسبب التكاليف الباهظة، واكتفى بالأدوية المخلوطة التي يقدمها القسيس بالمجان مكتفياً بأخذ ثمن القراءة المقدسة، فماتت.وذات يوم، وبعد موتها بشهور، جلس لاداس ليحاسب نفسه بهذا الشكل: «كانت ابنتي ستكلفني مهر زواج كذا وكذا تقريباً، ثياب الزفاف، الموائد والمقاعد تكلفني كذا، ويجب أن أقدم قائمة طعام للأقارب لتملأ بطونهم الشرهة، ولنحسب اللحم والخبز والنبيذ... وحاصل الجمع رقماً كبيراً ثم ما وجه الخطورة في أن تموت؟ لقد استراحت من هموم الدنيا المتمثلة في الزوج والأطفال والأمراض وأعمال البيت، في الحقيقة أنها كانت محظوظة، ليتغمدها الله برحمته»، وفي الحقيقة عزيزي القارئ لقد كانت محظوظة فعلاً لأنها تخلصت جسدياً من أب مثل هذا!كان لا بد من أن أذكر لك هذه الشخصية التي تجري عمليات حسابية مثل هذه معتقدة أنها بذلك تبرر أخطاءها وتحلل فواحشها، بحيث أجعلها مقدمة للعرض السحري الذي قدمه لي أحد الأصدقاء وهو يبرر ويدافع عن أخطاء الحكومات الماضية في قضية تأخير المشكلة الإسكانية طوال هذه السنوات.وأريد أن أراهن على خيالك في الربط بين حسابات لاداس العجوز وبين وجهة نظر صاحبنا الذي يلعب دور المستشار العقاري، بينما هو في الحقيقة يلعب دور يهوذا الإسخريوطي الخائن للمسيح.يقول هذا الرجل على طاولة العشاء الأخير بيننا: «أرى أن الدولة قد تعاملت مع القضية الإسكانية باحترافية كبيرة، فإنشاء كل مدينة سكنية أو تحرير أراض يعني مستشفيات أكثر ومدارس وحدائق وكليات ومستوصفات وأندية رياضية، ما يعني تكاليف كبيرة على الميزانية ناهيك عن مناقصات أسفلت ستعوق الحركة أكثر مما تنظمها، وخلق وظائف للمرافق الحكومية هناك ما يعني مبالغ أخرى وتمثيلاً نيابياً غير متوقع بالنسبة للحكومة، بالإضافة إلى المشاكل التي قد تظهر وتحتاج لصيانة تكاليفها أكثر من البناء أحياناً».ثم سرد مجموعة أخرى من العمليات الحسابية التي لا تختلف عن منطق لاداس في الحياة، لتكتشف في النهاية أن حاصل مجموع ما أجراه من حسابات هو صلب شريحة كبيرة من الطبقة الوسطى للشباب التي تقع في شقق الإيجار ما يجعلها تقع على رقبتها في آخر الشهر، بالإضافة إلى ازدحام شديد في الفصول الدراسية لأبنائهم والعيادات الطبية لآبائهم، واستهلاك محشور لمرافق الدولة وعدم استغلال لمساحات شاسعة وكل ذلك تحت مبررات سببها الحقيقي هو الفساد والطمع وليس كثرة المصاريف والثقل على الميزانية، من دون أن يلاحظ ولو لثانية واحدة أن ما يقوم به هو شيء شبيه بصلب المسيح فعلا، ما يجعله وبجدارة يستحق لقب يهوذا الإسخريوطي في قائمة هاتفي!كان من الممكن أن أعتبر ما قدمه من أفكار مجرد بادرة لطيفة على طاولة العشاء للدفاع عن حكومات سابقة، وكنت سأتقبل هذه البادرة التي استخدم فيها حسابات لاداس ليعبر عن حرصه الوطني على المال العام، فقط لو أنه تشارك معي دفع ثمن العشاء الذي كان بيننا حرصاً على مالي الخاص، أو حتى أجري مفاضلة بين الأولويات في أن الالتفات إلى القضية التعليمية أهم من الإسكانية أو أن الدولة تريد توفير مبالغ مالية من أجل صرفها على أوجه تنمية أخرى، ولكنه تشابه في حساباته ومبرراته مع لاداس العجوز بطريقة فجة حيث يقدم حسابات تجعلنا نحن فقط من نحاسب على «مشاريب وطاولة طعام» لا يستفيد منها إلا الذين لديهم قدرة عالية على التبرير والتحليل!كاتب كويتي moh1alatwan@