لا أعتقد أن هذا النوع من الأسئلة مثل ما الذي يجعل امرأة في الخمسين من عمرها تنادي امرأة أخرى في العشرين من عمرها قائلة لها ماما؟، أو كيف يخاطب سائق أو طباخ قد اختلط الشيب في رأسه، شاباً في مقتبل العمر قائلاً له «بابا»!... هي من الأسئلة الشائعة بين الكبار.في الواقع نحن لا نسأل لأننا كبار ونعلم جيداً أنها مخاطبات رمزية تحيل إلى مفهوم الكفيل أو المسؤول أو صاحب العمل، وأن هناك فوارق طبقية حاربها ماركس على ظهر حمار تسلفه من دون كيشوت، ولكن الواقع أقرها بطواحين هواء ثقافية راسخة يستحيل زعزعتها.نحن الكبار لا نسأل، لأن حفريات الثقافة قد أصبحت راسخة وممارسة. ولكن الأطفال يسألون «لماذا»؟ لتحديد المسارات وتكوين التجاويف الأولى.ومن نعم الله عليّ، أو من ابتلائه إذا أردت، أنني أجيد الاستماع للأطفال وفهم تساؤلاتهم وصياغتها بطريقة تشعرك بأنها مهمة، ليس بسبب حصولي على البورد الكندي من إحدى دورات التنمية البشرية التي تعلمك كيف تستمع لأطفالك بينما وعيك في مكان آخر، ولكن بسبب أن طريقتي في الأسئلة قريبة جداً من وعيهم... فكاتب هذه السطور هو طفل كبير ظهر لك مرة بقبعة توفيق الحكيم مبتسماً، لتعتقد أنه من اليسار، واليوم يظهر لك رسمياً بالغترة والعقال واللحية ليبدو لك من الإخوان، وهكذا هم الأطفال دائماً، ليسوا مناخاً لفترات طويلة، بل طقس لا يمكن التنبؤ بهم أو تصنيفهم لأن السؤال عندهم أهم من الإجابات.كاتب هذه السطور طفل كبير ينفجر من الضحك هو وأطفاله كلما كانت تناديه الخادمة التي أكبر من أمه... قائلة له «بابا تبي تشاي»؟ولا تعتقد عزيزي القارئ أنني أحاول أن آخذك لأي مساحة من مساحات حقوق الإنسان في حرية الخادم ألا ينادي أحداً سوى أمه وأبيه بلفظ «ماما أو بابا»، ليس هذا ما أشير إليه إطلاقاً، بل أشير إلى أثر ذلك على أبنائنا الصغار الذين يعيشون وسط علاقة اجتماعية في منزلهم قائمة على معايير قياس تختلف تماماً عن ما حولهم، ومدى تأثير ذلك في تعريفهم الخاص بالأسرة، وإلى أي مرحلة قد يعمل ذلك في تكوين نواة تصورات خاصة بـ «نحن... وهم».وقد تبدو الأسئلة للوهلة الأولى مبالغاً فيها وأقرب إلى مساحات الفلسفة منها لعلم الاجتماع، ولكن إذا ما عرفنا أن أبناءنا في مرحلة الروضة مثلاً يبدأون بالتعرف على مفاهيم مثل أكبر وأصغر، وبعض العلاقات مثل أمي وأختي وأبي وأخي، وبعض التصورات مثل منزلنا ومن يعيش فيه، فلعل هذا يجعلنا نتساءل حقاً... كيف يفسر الطفل شكل العلاقة مع خادم أو خادمة تنادي أمه وأباه قائلة «ماما... بابا»! وهل من الممكن أن يسأل في نفسه عن شكل علاقة أمومية متعالية على الولادة.وللأمانة، لا أملك إجابة واضحة حول سؤال ربما يهمني وحدي، وربما قد خطر على بال البعض منكم، وربما يراه البعض مبالغاً فيه جداً حد اعتباره «سوالف وهذرة» لا تليق بمقال بقدر ما تليق بوضعها في جدول أعمال لجنة حقوق الإنسان بالمجلس... ولكن بعيداً عن كل «ربما» سابقة، فقط أردت أن أشير إلى تفاصيل يكمن الشيطان فيها بالنسبة إلى الأطفال، وليس أكثر من ذلك.وربما كان ينبغي أن أسمي هذا المقال «الصور الذهنية عند الأطفال»، ولكنني قررت وسمه بحفريات الثقافة من باب إعطائه لمسة من العمق في زمن يعتمد على «الفنش» وليس المضمون، حيث القبعة تجعل منك يسارياً، واللحية تجعل منك إسلامياً، والهوس بكل ما هو إغريقي يجعل منك علمانياً، وتخوين الآخرين يجعل منك وطنياً، ووضعك لعلم باريس كشعار في حسابات تواصلك الاجتماعي عندما يقع تفجير ما في فرنسا، أو كتابة بعض الاقتباسات الإنسانية في البايو، أو مشاركتك في مسيرة تحمل فيها الشموع من أجل اقتلاع شجرة، أو ركضك في الشارع عارياً كشكل من أشكال التضامن الرمزي مع الحرية الجنسية، أو رسم ألوان قوس قزح على جبهتك وخدودك كدعم للمثلية الجنسية... كل هذه الأشياء تجعل منك ليبرالياً إنسانياً منفتحاً جداً... فما المانع من أن أضيف عنوان مقال في أرشيفي الصحافي يجعل مني عالم اجتماع!وفي الحقيقة، نحن لا نملك أمام هذا الكم الهائل من الهراء أن نلتفت إلى أسئلة مثل «ما الذي يجعل امرأة في الخمسين من عمرها أن تنادي امرأة أخرى في العشرين من عمرها قائلة لها (ماما)؟».كاتب كويتي moh1alatwan@
مقالات
خواطر صعلوك
بابا وماما... حفريات الثقافة!
05:48 ص