ماذا يمكن للإنسان العربي المسلم الشاب أن يكتب عن فلسطين، غير كونها كانت ومازالت هي طائر الفينيق الأسطوري الذي كلما أذن بالرحيل حتى سخرت له الحياة، حياة لا تكاد تنفض حتى تتجدد، تختفي من المناهج التعليمية فتظهر على شريط الأخبار، تحاصرك بالأمل كما يحاصرها الصهاينة بالظلم، كنبات يتسلق على شجرة أصابها الظل... فظلت تتسلق بحثا عن الشمس.إن ما استقرت عليه نفسي وأهلي وأصدقائي وكثير من الشباب الذين اعرفهم أن فلسطين هي امتداد هوية شكلت تراكميا بناء على هدم، ولا أدري حقيقة ما إذا كنت ستعرف ما أقصده بكلمة بناء على هدم... ولكنها عبارة شعرت بصدقها حيث تختصر مشوارا طويلا إلى آخر المقال.القدس هي موطن كل الذين ضاعت أوطانهم، وموطن المستحقين الذين لم ينالوا حقهم، إنها وصلة السماء بالأرض عبر الديانات الثلاث المتجاورة لإثبات أن الأديان أكبر من معتنقيها الذين طغوا في البلاد، إنها الأرض مقابل السلام... إنها إعلان دولة من الملح المصفى الذي لا يتجرعه إلا السكان الأصليون بقرار ممن لا يملك لمَن لا يستحق تحت غطاء وحماية ممن لا يستحي في ظل توجه للتطبيع ممن أضاع الطريق!لطالما كانت ومازالت فلسطين حاضرة بجبروت من يدبكون الأرض فيسببون ضجيجا ثائرا يوقظ «بعل» التاريخ النائم ويوقظنا عبر التعاطي مع أخبارها سلوكا وانفعالا، أرض تلقي بثقلها على منابر خطب الجمعة وملتقيات أصدقاء حقوق الإنسان، دائما فلسطين حاضرة كتسجيل حضور في الصف الأول، فالإسلامي والليبرالي قد يتنازعان في ما بينهما ويأخذ أحدهما بلحية الآخر في رحلة بين العقل والنقل، والسني والشيعي قد يتنازعان في الخلافة والإمامة ويأخذ أحدهما بعمامة الآخر في رحلة بين التاريخ والرواية، ولكنهما في القضية الفلسطينية ليسا كذلك... فطوال عمرها لم تكن «قضية» قابلة للمناقشة... لقد كانت «القضية» على إطلاقها... وعندما أردنا أن ننساها، تذكرناها في المسرح الساخر بـ«الكضية»!وما الذي يمكن أن أكتبه عن... القضية؟!هل أكتب فأقول (وداعا يا قدس) ثم أصب جام غضبي على الحكام المسلمين وأقدم مرثية حزينة عن حالنا كعرب وكمسلمين ثم أشير إلى زوال المجتمع الإسرائيلي عضويا من الداخل دون تدخل منا... أم لعلي أقول ما هو الجديد في إعلان متفق عليه منذ عشرين عاما في الكونغرس... وإن فلسطين محتلة أصلا، وإن قرار مثل هذا لن يكسب إسرائيل سوى شرعية لا تنقصها لكي تضع يدها متى ما شاءت وأينما شاءت وعلى من شاءت، وإنه قبل أن تضيع القدس منا قد ضاعت منا أشياء كثيرة أخرى، ولكن لا... لن أكتب بهذا الاتجاه أيضا، ليس لأنه غير صحيح ولكن لأنه شبح من السلبية يحاصر كل أمل تبقى فينا.إذاً فمن الممكن أن نجلس مع بعضنا ونتفق على مشتركات عامة مثل إدانة العالم وحضارة البنوك الرأسمالية التي تمثلها الإدارة الأميركية التي واجهتها هي دونالد ترامب بتكشيرته نحونا، لنثبت أنها خالفت القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة التي لا تعترف بالسيادة الإسرائيلية على القدس، وأن أميركا لم تضرب القوانين الدولية عرض الحائط فقط، ولكنها ضربت العالم الإسلامي حتى استنفدت قواه... فهل أنت بحاجة إلى من يذكرك بشيء مثل هذا؟لا... لن أكتب في هذه الاتجاهات لأنها تأخذنا لمساحات سكين النقد فيها لا يقطع سوى لحمنا نحن.مسكينة هذه الأمة التي لا تتعلم من أخطائها، وتستعجل جني الثمار قبل موسم الحصاد، ولا تمتلك النفس الطويل مع الله.لقد دُمرت مدينتا هيروشيما ونجازاكي العام 1945 برسالة أرسلها أينشتين إلى روزفلت العام 1939 يخبره فيها أن النازيين يسعون لامتلاك سلاح نووي انطلاقاً من اكتشافاته العلمية، ما جعل روزفلت يزرع قنبلة في أواخر الثلاثينات فجرها ترومان في منتصف الأربعينات!وهذا يعني أن مفاعيل الحركة لا تظهر نتائجها في الحال، فما حدث العام 1948 في فلسطين هو نتاج مؤتمر بازل العام 1879. وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل هو نتاج العام 1990 وتبعاته، أما نتاج ثورات الربيع العربي والتي تحولت لخريف دموي فمن المفترض أن تظهر نتائجه في ما بعد الاستفاقة من الخسارة الثقيلة لعدد من الدول العربية الكبرى، وأما نغمة التطبيع مع إسرائيل والتي يؤديها مطربون فاشلون فلن تظهر نتائجها على مسامعنا اليوم... بل في الغد.وشكرا للرئيس ترامب الهارب من قفص إيفان بافلوف على قراره المليء بلعاب الكونغرس والذي أعاد لفلسطين سيرتها الأولى في قلوب أطفالنا على الأقل. حتى لو أشعل هذا القرار جذوة أطفأتها المناهج التعليمية والسياسات التطبيعية منذ زمن، فنتائجها ليست اليوم وليست في الغد... بل في يوم ما نتربصه جميعاً.والله غالب على أمره... والفلسطينيون هم الظاهرون على صهيون.كاتب كويتي moh1alatwan@
مقالات
خواطر صعلوك
هم الظاهرون على صهيون!
05:47 ص