«بيغ فيل»... «قرار اضطراري» يصنع نجماً
في عالم كرة القدم الحافل بالأحداث والمزدحم بالوجوه، يتاح للتاريخ ان يعيد نفسه مرة ومرتين وثلاث، فكم من مباراة بين فريقين تشابهت ظروفها ومجرياتها تشابهاً يطابق الأصل، وكم من حالة مرت بلاعب وعادت الأيام لتضعه في الموقف نفسه.في الكويت، أعاد التاريخ نفسه بعد قرابة 28 عاماً مع اختلاف في بعض التفاصيل. فالبلاد تستعد لاستضافة دورة الخليج بعد أيام، واتحاد اللعبة يستعين بمدرب من أحد الأندية المحلية لقيادة «الأزرق» في الاستحقاق، ولا ندري ان كانت قصة 2017 ستواصل السير على خطى سابقتها أم لا.قبل أيام، أعلن الاتحاد عن اختيار مدرب فريق الجهراء، الصربي بوريس بونياك، لقيادة «الأزرق» العائد الى المنافسات الدولية بعد غياب تجاوز العامين بسبب الايقاف، والذي سيكون على موعد مع ظهور أول على الساحة في «خليجي 23» المقررة في الكويت بعد ايام.هذه التطورات السريعة اعادت الى الأذهان حادثة مشابهة شهدتها الكرة الكويتية مطلع العام 1990 عندما كانت تستعد لاستضافة «خليجي 10» في فبراير ومارس.في تلك الفترة، اتخذ الاتحاد قراراً جريئاً بإعفاء المدرب البرازيلي أوتاسيلو من قيادة «الأزرق» بعد تراجع النتائج، سواء بخسارته للقب بطولة الصداقة والسلام على أرضه في نوفمبر 1989 حيث حل في المركز الثالث، أو بما قدمه من أداء باهت في المباريات الودية التي خاضها استعداداً لكأس الخليج.ونظراً الى ضيق الوقت، قرر الاتحاد استعارة مدرب يعمل في البلاد بدلاً من التعاقد مع آخر جديد من خارجها، ووقع الاختيار على مدرب القادسية، البرازيلي أيضاً، لويس فيليبي سكولاري. لم يكن سكولاري بالاسم اللامع في عالم المدربين البرازيليين آنذاك، وكانت قيادته لفريق غريميو على فترتين في ثمانينات القرن الماضي أبرز ما تحمل سيرته الذاتية، غير ان ما حققه بعد 1990 وضعه بين أفضل المدربين في تاريخ بلاده.نجح «فيليباو» في قيادة «الأزرق» الى اللقب السابع له في كأس الخليج، محققاً 4 انتصارات على البحرين وقطر والإمارات وتعادلاً مع عمان والعراق التي انسحبت لاحقاً، مع اشارة الى غياب السعودية عن تلك النسخة.بعد البطولة، عاد سكولاري الى قيادة القادسية لكنه لم يوفق في المحافظة على كأس الأمير التي كان حققها معه في الموسم السابق وودع المنافسات من الدور نصف النهائي أمام كاظمة البطل.في صيف 1990، وبعد نهاية ارتباطه مع «الأصفر»، تعاقد الاتحاد مع سكولاري كمدرب «أصيل» للمنتخب الذي كان يستعد للمشاركة في دورة الألعاب الآسيوية في العاصمة الصينية بكين في سبتمبر.وبالفعل، خرج «الأزرق» ومعه المدرب البرازيلي في معسكر خارجي في مدينة فيشي الفرنسية، في أواخر يوليو، والقصة بعد ذلك معروفة، اذ اجتاح الجيش العراقي الكويت وعاد اللاعبون الى المنطقة للالتحاق بعائلاتهم التي خرجت الى دول مجاورة، فيما اختار آخرون دخول البلاد.من جهته، غادر سكولاري فرنسا الى بلاده وبدأت وسائل الاعلام البرازيلية تتحدث عن «المدرب العائد من تدريب منتخب الدولة الغنية والمحتلة».قاد لويس فريق كريسوما لتحقيق الكأس المحلية في الموسم التالي، لتبدأ رحلته الجديدة في عالم كرة القدم والتي توّجها بإحراز كأس العالم 2002 في كوريا الجنوبية واليابان مع المنتخب البرازيلي وبسجل رائع حقق خلاله 7 انتصارات متتالية.حفلت مسيرة سكولاري بمحطات أخرى كبيرة، مع منتخب البرتغال وأندية تشلسي الانكليزي وغوانزو الصيني الذي غادره أخيراً، غير ان عودته الى قيادة الـ «سيليساو» مجدداً قبل مونديال 2014 في البرازيل كانت نقطة سوداء في تاريخه بعد الخسارة من المانيا البطلة لاحقاً 1-7 في نصف النهائي، وهي أقسى هزيمة تعرض لها «راقصو السامبا» خلال مشاركاتها في كأس العالم، وفي التاريخ عموماً.قبل انطلاق البطولة، مازح سكولاري مجموعة من طلبة معهد القانون في برازيليا، بالقول إنه في حال لم يحقق اللقب فسيلجأ الى سفارة دولة الكويت في البرازيل! ورداً على سؤال عن السبب في اختيار الكويت بالذات، أجاب المدرب البرازيلي في لقاء مع مجلة «سوبر» الاماراتية في 2005، قائلاً: «لا يمكنني نسيان حياتي في تلك المنطقة (الخليج العربي) حيث بدأت مرحلة جديدة من حياتي المهنية كمدرب... لدي علاقات فريدة من نوعها مع اشخاص عدة في دول تلك المنطقة».ويضيف: «هناك اختلاف في العادات والتقاليد والدين. كل شيء مختلف كليا لكن في الوقت نفسه مميز وله رونقه وانا منذ البداية حاولت ان اتأقلم مع مواقف الحياة اليومية خصوصا عادات الناس ولم تكن هناك مشاكل... في معظم الاحيان في السعودية كنت اصلي في البيت، اما في الكويت فكانت هناك كنيسة كاثوليكية وكان بإمكاني حتى الاستماع الى الخطب الدينية».سكولاري الفخور بعلاقاته وتكيفه مع ابناء المنطقة يمضي في الحديث عن انطباعاته عن تلك الفترة التي لم تخل من الطرافة، فيعترف بأنه كان يستغرب في بداية مسيرته في المنطقة من كون الرجال يقبلون بعضهم البعض عندما يتصافحون ووجدها عادة غريبة نوعا ما لان شيئا من هذا لم يشهده من قبل، ولكن بعد مدة قصيرة اصبح ينظر الى هذه الامور على انها طبيعية جدا ومسألة عادات وطريقة بسيطة لاظهار الود بين البشر مثلما كان يتقبل دعوات اصحاب المحال لاختيار بضائع كهدية من محالهم كتكريم له بعد الفوز بكأس الخليج.ويعرج سكولاري «الوفي» بحديثه الى المنحنى الاهم في رحلته الخليجية وهو الغزو العراقي للكويت فيقول: «في ذلك الوقت، كنت في منطقة فيشي الفرنسية للاستعداد لبطولة كان من المقرر ان تقام في الصين وهي دورة الالعاب الآسيوية، وانتهى بي الامر بالعودة الى البرازيل بعد فترة قصيرة بينما بقيت مدخراتي في احد بنوك الكويت. لم اكن اعلم في الواقع ما الذي سيحصل لها واعتقدت انه بحكم الغزو العراقي، لن ارى فلسا واحدا منها».ورداً على سؤال عن مصير مدخراته، قال: «بإمكانكم ان تتخيلوا مدى المفاجأة عندما عدت بعد عامين، ففوجئت بوجود المبلغ بالاضافة الى الفوائد التي كانت قد استحقتها المدخرات. كل الحسابات كانت صحيحة حتى الفترة التي غادرت فيها البلاد. كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لي. فبعد كل الصعوبات التي مر بها هذا الشعب، بقي قادراً على ان يحافظ على املاك الناس الذين عملوا حتى ذلك الحين... أيمكن ان يحدث هذا في اي مكان آخر في العالم غير الخليج العربي؟».
تقي: هذه قصة الاستعانة بسكولاري في «خليجي 10»
في صبيحة أحد أيام شهر يناير 1990، صحت الكويت على قرار اتخذه مجلس ادارة اتحاد كرة القدم برئاسة الشيخ فهد الاحمد يقضي بإقالة مدرب المنتخب، البرازيلي اوتاسيليو، وتعيين مواطنه لويس فيليب سكولاري بدلاً منه.جاء القرار غداة الخسارة ودياً امام المانيا الشرقية 1-2 وقبل المغادرة الى المعسكر الخارجي الذي كان مقرراً في العاصمة المصرية القاهرة.عن ملابسات وظروف اختيار «بيغ فيل» - وهو اللقب الذي اشتهر به سكولاري لاحقاً - لم يكن هناك أفضل من الاداري المخضرم أسد تقي ليتحدث عن تلك الفترة المهمة من تاريخ المنتخب.يقول تقي الذي كان يشغل منصب عضو مجلس ادارة الاتحاد ومقرر لجنة المنتخبات الوطنية المعنية مباشرة بشؤون «الأزرق»: بعد تراجع أداء ونتائج المنتخب في بطولة الصداقة والسلام والمباريات الودية، اتخذ الاتحاد قراراً حاسماً بإقالة المدرب، غير ان المشكلة كانت في البديل. وبعد جلسة جمعتني برئيس الاتحاد الشهيد فهد الأحمد، نوقش موضوع المدرب الجديد، وكان رأيي ان تتم الاستعانة بمدرب من داخل الكويت، ووقتها سألني الشيخ فهد: مَنْ تراه مناسباً للمهمة؟، فأجبته: مدرب القادسية، فشخصيته قوية ويقرأ المباريات بصورة صحيحة ويتصرف بناء على هذه القراءة».ويضيف: «كانت المشكلة تتمثل في فتح باب التفاوض معه بمنأى عن نادي القادسية، وتم تكليفي بالمهمة وقمت بترتيب الأمر مع الاعلامي جاسم أشكناني الذي كان يرتبط بعلاقة وطيدة مع سكولاري الذي وافق على تولي المهمة مشترطاً ضم مساعده في القادسية وقريبه مورتوزا الى الطاقم الفني، واتفقنا معه على مبلغ 10 آلاف دولار».ويسترجع تقي تلك الفترة فيقول: «كان سكولاري مدرباً عقلانياً، ورغم شخصيته القوية إلا انه يسعى دائماً الى التشاور مع المقربين منه، وكان هو من يطلب عقد الاجتماعات مع الاداريين وليس العكس بغية عرض رؤاه وافكاره عليهم واخذ رأيهم فيها. واتذكر جيداً حادثة تؤكد هذا الرأي عندما سألني عمن افضل من اللاعبين لمركز الظهير الأيسر حيث كان الفريق يعاني نقصاً، فكان رأيي انه لاعب كاظمة عادل الخليفي، فما كان من المدرب إلا ان ابتسم واخرج ورقة دوّن فيها تشكيلة افتراضية للمنتخب ضمت الخليفي كظهير أيسر».ويرى أسد ان اختيار سكولاري لقيادة المنتخب كان قراراً موفقاً من الاتحاد ورئيسه الشيخ فهد، بدليل النجاح الذي حققه في البطولة الخليجية، ولاحقاً، وقال: «في رأيي الشخصي، هو أحد أفضل من قاد المنتخب في تاريخه، ولا يقل شأناً عمن سبقه من مواطنيه مثل كارلوس البرتو بيريرا وماريو زاغالو»، متمنياً التوفيق لمدرب المنتخب الحالي، الصربي بوريس بونياك وان يكرر ما حققه سكولاري في العام 1990.