إن كانت جمالية العمل الفني مصدرها البؤرة التي تلتقي فيها كل العناصر وتتبلورُ من خلالها نواةُ الوحدات المتناثرة في تضاريسها، فما يحتل هذا الموقع المركزي في رواية «أخيلة الظل» للروائية المصرية منصورة عزالدين هو خيالُ وذهن المتلقي الذي تُدخلهُ الكاتبةُ في دهاليز افتراضاتها التي تُشيدُ عليها الرواية. لذا فعملية القراءة ما هي إلا مُتابعة لرسم المسارات التي ترسمها المؤلفة للشخصيات التي لا تكتشفُ تركيبتُها وسبب تأزُمِها مرة واحدة بل تباغتُك بعودتها في ما تنكبُ على تتابع سرد حكاية غيرها وفي ذلك يكمنُ التشويقُ والتحدي في آن واحد، لأنَّ هذا الأسلوب يتطلبُ نباهة في التقاط الإشارات وعصف ذهني لما يدور من الأحداث وإلا من الصعب ربط أجزاء العمل وتنظيم المبنى الحكائي والوصول إلى خيط يجمعُ بين ما تتواردُ من أسماء كثيرة في مساحة محدودة، كل ذلك يؤكد ما أعطتهُ صاحبةُ «جبل الزمرد» للمتلقي من دور محوري، إذ تأتي الجملةُ الافتتاحية لتنسفَ الصيغ التي توحي بأنَّ السردَ لا يبدأُ إلا حينما ينتهي كلُ شيء في الحكاية وأصبح ماضياً، هذا ما لا يتسقُ مع غاية الساردة وهي وجه آخر للمؤلفة التي تريدُ إشراك مُستهلك المادة الأدبية في تصميم الرواية، لذلك تتكررُ عبارات توهمُ بعدم الفصل بين زمن الكتابة وزمن القراءة، خصوصاً في مُستهل كل فصل، وهذا ما يدعمُ موقع المتلقي أكثر في التفاعل مع سيناريوهات الساردة، والتمثيل البصري لما تتالى من المشاهد، بفعل التركيز على مكونات المكان والتمليح إلى البنية الخارجية لبعض الشخصيات.كائنات مُعلقةيمضي المتلقي في أثر تَخيلات الساردة التي تختارُ مدينة براغ منصة للتعارف بين شخصيتين يجمعهما اهتمام واحد وهو الكتابة، بينما يُتوقع أن تتواتر المعلومات عن الشخصين المتواجدين في باحة متحف كافكا يتوقف السرد، وتستوجبُ الساردةُ المتلقي عن رأيه في تحديد اسم وهوية شخصيتيها، إذ سيحملُ الرجلُ اسم آدم وهو من مدينة سياتل وستعرفُ المرأة المُكتنزة باسم كاميليا آتيةُ من القاهرة. فالأخيرة قبل أن تحكي لصديقها تفاصيل ما رأتهُ في الحلمِ وكان مسرحهُ براغ، إذ تباشرُ كاميليا في كتابة القصة عن حياة كاتبة روسية تكتبُ بدورها عن طفلة ناجية من المذبحة. ويقيمُ مع الروسية عازف الموسيقى لم تُحددْ جنسيته بعد، وبذلك تتأرجح شخصيات العمل في أطوار ضبابية وعوالم سديمية، ناهيك عن تناسُلِ سيل من الصور والمشاهد والوقائع المُتَقاطعة مع أحداث تاريخية في سيرورة السرد، كما تتداخل الأزمنة وتتداعى الذكريات حيثُ تستعيدُ كاميليا لحظة وجودها في حديقة الحرية قبل السفر إلى براغ بأسبوعين... هناك تتفاجأ بما كان يعلو على وجهها من التغيير على أثر حادث لا نعرف تفاصيله إلا في فصول متلاحقة. بالمقابل فإن آدم يبوح لكاميليا بما راوده بأن يكون كاتباً منذ تعرف على «لافكرافت» ومن ثم تتدخلُ الساردة من جديد مفترضةً الخلفية الأسرية لشخصية آدم، وهو حفيد لاجئة شرق أوسطية التقت بحاراً يونانياً في بيروت واستقر بهما المقام في سياتل، الأمر الذي أورثَ حب متابعة الأطلس لدى آدم متحرياً مُنعرجات تلك الرحلة، ولا ينتهي الشغفُ عند هذا الحد بل يرغبُ الحفيدُ بكتابة قصة عن «ناجٍ» يستفيقُ على أنقاض ما تركته كارثة في محيطه، وما أنْ فكر آدم في بطل قصته حتى لاحت له صورة الجدة، لا تتوقف لعبةُ تبادل الأدوار في «أخيلة الظل» ما رأيته كاتب قصة تتحول حياتهُ إلى مشروع قصة في أجندة شخصياته الروائية. لذا تزدادُ حدةُ المُفاجأة لدى المتلقي عندما تخرجُ المرأة الروسية تخايلتها كاميليا في الحلم لِتُسردَ قصة الأخيرة وصديقها، ومن ثم تضيف شخصية «آميديا» إلى مدونتها السردية صانعة لها أصلاً شرق أوسطية ومن جذور آشورية، وهذا لا يختلف عما ذكره آدم عن جدته، ومن ثم تتأملُ صورة تنبعث من سطح مكتبها وما هي عناصر الصورة إلا كاميليا ومناظر الطبيعة. وفي ذلك تعولُ الكاتبة على التفاعل بين الفن التشكيلي والرواية، إذ أوحت اللوحات الفنية بفكرة تأليف النصوص الأدبية للكتاب الكبار، مثل صموئيل بيكت ونجيب محفوظ في «الشحاذ»، وما يُحسبُ للكاتبة في هذا الحيز هو قدرتها على توليد المشهد البصري في مخيلة القارئ عندما يتتبعُ مجال رؤية أولجا داخل الصورة المُفترضة. هكذا تتوالى أقسام الرواية من دون أن يكون السردُ مُقيداً بخط زمني مُتصاعد، كما لا يوجدُ ما ينطبقُ عليه مواصفات حكاية الإطار، كما هو سائدُ في جل الروايات، وينفتحُ قوس السرد على حياة كاميليا وآدم وما عاشه الاثنان في الطفولة وتضاف إلى الحلقة شخصيات أخرى روز التي تعاني عقدة من جانبها نتيجة مقتل أختها إثر سقوطها من الأرجوحة، وهذه التجربة تضعها على مصاف عازف البيانو ساندور، وكاميليا التي تمقتُ مشروب «شوبيس ليمون»، وأولجا وهي تنفصلُ من فلادمير بعدما تملُ من صمته أثناء ممارسته لعلاقات حميمة. كل هذه الشخصيات لا تضمها دائرةُ واحدة بل تتوزع بين ما تسرده كاميليا وما تحبكهُ أولجا الروسية وهي لم تكن إلا جزءاً من الحلم الذي أرادت كاميليا صياغته في وعاء قصصي، يشارُ إلى أن أسلوب هذا المُنجز الروائي يُذكرك بروايات باتريك موديانو وتهندس مناخاته الغامضة. ضف إلى ذلك ما تتميز به البنية المكانية من المرونة وامتداداتها من براغ إلى القاهرة وتركيا واليونان والتعددية في جنسية الشخصيات ما يضفي صخباً إلى أجواء الرواية على المستويات كافة.قارئ مُشاهدبما إن «أخيلة الظل» زاخرة بالإحالات إلى الأفلام والاستشهاد بالنصوص الأدبية الأخرى فضلاً عن تضمين تواريخ معينة مثل ارتكاب مذبحة «سيفو» في 1915 ضد الآشوريين والإشارات الموحية بحادث منصة مصر وثورة 25 يناير لذلك يُحلق هذا العمل بمدار فنتازي، وأن اهتمام الكاتبة باللون والتمثيل البصري والمشهدية يتطلب من المتلقي أن يكونَ مدركاً لجماليات الصورة حتى لا يفوتهُ ما يكتنزهُ النص من شحنات إيحائية. وما يجدرُ بالإشارة أنَّ الطابع التجريبي للنص وتوالد القصص في طياته لم يكنْ على حساب تناسقهِ وتماسكه كما احتفظت اللغة بشعريتها في تراكيب الجمل والصياغات التعبيرية، ولم تخسر الرواية عنصر التشويق عندما غابت في بنيتها الحبكة المركزية، كأن عزالدين أرادت بذلك أن تبلغ القارئ بأنَّ وظيفتهُ تتمثلُ في تأويل ما يتناولهُ وليس البحث عن حقائقه والتفتيش عن المضمون لأن المعنى يكمنُ أيضاً في شكل العمل الأدبي.* الرواية الصادرة من دار التنوير 2017
متفرقات
نقد
«أخيلة الظل» لمنصورة عزالدين ... ومركزية المُتلقي
05:48 ص