النضال ضد النظام الطبقي ومنازلة تحديات الظروف الاقتصادية الصعبة، والمساعي الدؤوبة على المستوى السياسي والاجتماعي والفكري للخروج من عالمِ مسيج بالإكراهات التي تُعمق الفجوة في مستويات الحياة وأنماط العيش بين مكونات المجتمع، قد أصبح محوراً للأعمال الأدبية والفنية، ولعلَّ مساهمة الرواية تفوق على المعالجات التي أُنْجِزَتْ في إطار الأجناس الأدبية الأُخرى في هذا الصدد.وهنا نذكر على سبيل المثال «البؤساء» لفيكتور هيغو، و»الأم» لمكسيم غوركي الذي يتتبعُ في روايته دور العامل الفكري في تغيير سلوكيات الإنسان واهتماماته،إلى درجةٍ يتخطى بواسطة فكر جديد ما أُرغم أن يعيشَ داخله من حياة مزرية. وعلى الصعيد العربي تأتي رواية «بداية ونهاية»، لنجيب محفوظ نموذجاً بارزاً، في مقاربة الفروقات الاجتماعية ومحاولة أفراد الطبقات المسحوقة بفعل سياسات نظام شبه إقطاعي كسر الطوق المفروض عليهم. كما أن الكاتب الأميركي أرنست هيمنغواي تصدى في روايته «يملكون ولا يملكون» للفرق الشاسع بين من ينعمُ بالرفاهية ومن لم يَذُقْ غير شظف العيش وسياط العوز. جون شتاينبك هو الآخر أيضاً لا يبتعدُ عن هذا المحور يناقشُ في روايته المعنونة «اللؤلؤة» الصادرة حديثاً بترجمة محمود حُسني 2017، من دار آفاق للنشر والتوزيع مصر- قسوة الحياة التي تُعانيها عائلاتُ تسكنُ في ضواحي إحدى البلدات الأميركية. يميطُ صاحب «عناقيد الغضب» اللثام عن ضروب الإهانة والاستغلال الذي يتصف بتعامل الأسياد مع الفُقراء، ناهيك عن المنزع الأناني والجشع للأموال لدى الطبقة المَخملية التي يُمَثلها طبيب البلدة. ولا يعفي الكاتبُ رجال الدين من انتقادات ضمنية وهم بمواقفهم السلبية لا يخدمون سكان الضاحية ولايساهمون في تخفيف مُعاناتهم، الأكثر من ذلك يُحَرَمُ مشروع التزاوج بين أبناء هذه المنطقة من مباركة المَعْبَدْ.المُهمشونتضمُ «اللؤلؤة» كل هذه الموضوعات المحبوكة في متنها، ويتدرج القارئ في كشفها بواسطة ما يسردهُ الراوي العليم حول أسرة الصياد كينو الذي لا يختلف مسلك حياته عن الذين يشاركهم الحياة في بيئة واحدة، فكينو ربُ الأسرة يعتمدُ على قارب ورثه من جده لسد رمقه، يبدأُ خيطُ السرد متزاوجاً مع الوصف من بيت الصيادُ، إذ لا يفوت الراوي تقديمُ تفاصيل دقيقة عن البقعة التي يقضي فيها المهمشون أيامهم المُتشابهة. بجانب ذلك هناك إشارات عن أنواع الطعام والملبس لدى هؤلاء من دون وجود ميل للإسهاب في هذا الملمح. لا يدومُ الانتظار حتى تتبلور صورةُ عن الحدث الذي تنهضُ عليه أركان القصة، ولا يكونُ البطلُ كينو إلا عنصراً مُتفاعلاً مع ما يقع لابنه حيث يلدغُ العقربُ الطفلَ المُعلق في الصندوق، من هنا تنفتحُ الرواية على ما شهدته تلك المَنْطقةُ من الصراعات ويتعرفُ القارئ أكثر على سلوكيات أصحاب النفوذ، إذ لا اختيار أمام الأسرة الصغيرة سوى أن تلجأ إلى طبيب البلدة لكنَ الأخير يرفضُ معالجة الطفل الذي تظهر أعراضُ سم العقرب على محياه، ولا تجدي التوسلات في تليين قلب الطبيب لأنه لا يفهم غير لغة النقود، هنا ينصرفُ الراوي إلى وصف ما يحظى به الطبيبُ من رفاهية وما يتذوقه من أصناف الأطعمة الفاخرة، وهو متحدر من أسرة سولت لها طموحاتها بِسلب حقوق آباء كينو.خاتمة الأحزانتتطور أحداث الرواية عقب تحول كينو إلى البحر وعثوره على «اللؤلؤة» تُسمى بلؤلؤة العالم، حينذاك يقبل الجميعُ على بيت الصياد. وما يزيدُ زخم السرد أكثر هو استشفاء الطفل بالأعشاب، غير أن الطبيب يجدُ ذريعةً لتواصل مع والد الطفلِ طمعاً في استدرار الأموال، إذ يعطي حقنةً مدعياً أن ذلك يخفف أثر السم، بينما تصرفه لم يكن إلا مراوغة لمُعاودة زيارة كينو بعدما يخلفُ علاجه مضاعفات في جسم الطفل. ومن ثُم يتبجح الطبيب بمهارة تشخيصه وسكب قطرات من سائل أمونيا في فم الرضيع، مؤكداً أنَّه سيتعافى تماما، كما لم يتأخر في طلب المقابل، مُتظاهراً بعدم معرفته بعثور كينو على اللؤلؤة، وحين يخبره بتسديد ما عليهم بعد بيع اللؤلؤة، يتصنعُ التَعَجُبَ...هكذا تتحول الجوهرة الثمينة إلى عقدة تلقي بظلالها على كل مفاصل العمل، يتحول الكنزُ إلى حديث البلدة، ويعقدُ القسُ والشحاذون والتجارُ آمالاً عريضةً باللؤلؤة، كما يُمَّني صاحب الجوهرة نفسه بنهاية المحن وجني الأموال الطائلة ما يمكنه من توفير مستقبل مشرق لابنه ولا يظل مثل والده سجين الأُمية، وما يتوقعه هو قفزة حياته على كل المستويات، ويرى على سطح اللؤلؤة انعكاسات أحلامه انطلقت بفعل المُعجزة.ولكن الأمرَّ له شق آخر إذ يتواطأ التجارُ على كينو ويريدون انتزاع اللؤلؤة منه بثمن بخس، كما يتعرضُ للسطو، ويقتحمُ المجهولون منزله، أضف إلى ذلك أن زوجة الصياد تحاولُ أن تتخلصَ من الجوهرة برميها في الخليج عسى أن تستعيد الأسرةُ حياتها الهادئة وهذا ما يثير غيظَ كينو ويعنف جوانا.لا ينتهي الأمر إلى هذا الحد بل يُحرقُ منزل الصياد، ولم يفتأ أهالي البلدة يلومون الصياد لرفضه الاقتناع بالثمن الذي عُرض عليه مقابل اللؤلؤة، وما شجعه على التمسك بموقفه غير أخيه جوان توماس، ومما يُصَعِبُ الأمور بالنسبة لكينو أكثر أن الأخير تورط في قتل رجلِ هاجمهُ للاستيلاء على الجوهرة. هكذا يتصاعدُ التوتر، ولا تنقطع سلسلة الأحداث المُتعاقبة في بنية العمل.الهجرةتتراكم الأسباب لهجرة أسرة كينو من البلدة، ويأتي في المقدمة البحثُ عن سوق أفضل للجوهرة، كما أن إحراق المنزل وسقوط رجل بيد كينو قتيلاً، يجعل خيار الرحلة نحو العاصمة أمراً مَحْتوماً، وبذلك يُضفرُ الكاتبُ تيمة جديدة في تلافيف عمله، ولا يُهملُ في كل أجزاء الرواية وصفَ مكونات البيئة.يشار إلى أن الوصف فضلاً عن وظيفته التزيينية، يتخذُ دوراً تفسيرياً يُساهمُ في دمج المتلقي داخل أجواء العمل وتبرير تفاعل الشخصيات في ما بينها، يستكنه الراوي دواخل الشخصيات ويفصحُ عن هواجسهم لاسيما في المقاطع التي ترسُمُ عند لحظات فارقة لدى الشخصية الأساسية التي بحالة من المد والجزر، بعدما يصفُ الساردُ وعثاء الطريق ومناورات الصياد لتمويه المقتفين وراءهم ومن ثُمَّ اختباء الأسرة في أحد الكهوف بالجبل ومُغامرة كينو للنزول عند النبع ليباغت الرجل المُلثم الذي يقوم بمُراقبة الوضع بينما صديقاه نائمان، وإطلاق الحارس للنار على الكهف عقب سماعه لصوت يشبه عواء الذئب، وما يتبع ذلك من رد فعل كينو بالاستحواذ على البندقية وقتله لثلاثة أشخاص تصلُ الرواية إلى الذروة بانكشاف مقتل الرضيع الذي كان عاملاً وراء ظهور اللؤلؤة المشؤومة.يتدخلُ الراوي في المشهد الأخير موضحاً أن كل شخص في لاباز يتذكر عودة كينو وجوانا والذبول الذي يلوح في ملامحهما وتأرجح شيء هامد بين يدي الأم، وما تقوم به الأخيرة من رمي اللؤلؤة إلى عمق الخليج، مُعلنةً بذلك خسارة الرهان على شيء كلفهم الرضيعَ، رغم ضيق مساحة العمل لكن هناك كثافة في الأسلوب بجانب ثيمات مُتعددة كتلازم الصراع والمال وثمن التحول والتطلع إلى الاستقلال الاقتصادي.
محليات - ثقافة
رؤى نقدية / «اللؤلؤة»... لعنة الجوهرة الثمينة
11:22 ص