في شهر رمضان الفضيل من العام الماضي، شاهدت مقطع فيديو يظهر رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو وهو يتناول وجبة الإفطار مع بعض السياسيين الكنديين المسلمين. وفي شهر رمضان الأخير شاهدت مقطعا آخر له وهو يشارك مسلمين في اعداد صناديق المعونات الغذائية الرمضانية. ثم في عيد الفطر، هنأ رئيس الوزراء الكندي المسلمين بحلول العيد، وأكد في بيان صدر عن مكتبه أن «التنوع الثقافي في كندا هو من أكبر مصادر القوة ومبعث الفخر للبلاد»، كما أعرب عن شكره للمجتمع الإسلامي الذي أضاف قيمة فوق نسيج كندا الوطني.بالنسبة للسيد ترودو، التعددية ليست مجرد ورقة انتخابية أو واجهة إعلامية، بل هي عقيدة تنموية تأصلت بعد التيقن من العلاقة السببية بين ترسيخ التعددية وبين تعاظم الانجازات والتنمية عبر جسر السلم والاستقرار المجتمعي. لذلك نلاحظ أن مجلس الشباب التابع لرئيس الوزراء، الذي أعلنت الحكومة الكندية عن تأسيسه في العام الماضي، يتضمن 3 عرب من بين مجموع أعضائه البالغ 15. بل أن من بينهم «لاجئ» سوري اسمه هاني المولية.وفي مثال آخر أكثر وضوحا في تجسيد التعددية، نجد أن تشكيلة الحكومة الكندية التي أعلن عنها في عام 2015، ترجمت العديد من معاني التعددية على أرض الواقع الكندي. فمن جانب تتضمن التشكيلة بالتساوي 15 رجلاً و15 امرأة، ومن زاوية أخرى نجد بينهم خمسة وزراء من أقليات واضحة، هم أربعة من أصول هندية ولاجئة أفغانية مسلمة. كما أن التشكيلة تضمت اثنين من سكان كندا الأصليين، ووزيرين من ذوي الإعاقة. باختصار هي تشبه كندا مثلما وصفها رئيسها حين صرح قائلا «أشعر بسعادة لا تصدق أن أقدم لكم حكومة تشبه كندا».هذه المواقف الحضارية من قبل رئيس الحكومة الكندية تذكرتها عندما اطلعت على الإجراءات الحصيفة من قبل بعض أعضاء الحكومة الكويتية في تعاطيهم مع فاجعة انقلاب حافلة زوار الحسين - عليه السلام - بالقرب من مدينة الناصرية العراقية، التي أحزنت الكويت بفقد 5 من ابنائها وإصابة 13 آخرين. أسأل الله أن يتقبل زيارتهم ويتغمد المتوفين منهم بواسع رحمته ويمن على المصابين بالشفاء العاجل.كعادة حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الصباح - حفظه الله ورعاه - بمواقفه الأبوية وبالأخص في المحن، أمر سموه بإرسال طائرة عسكرية لنقل المصابين في الحادث إلى مستشفيات الكويت. وهنا لا بد من أن أسجل شكري للأخوة العراقيين على ما قدموه من اهتمام بالغ ورعاية صحية لضحايا الحادث.وأما أعضاء الحكومة الكويتية، فأخص بالذكر موقف نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الشيخ محمد الخالد وجهود وزير الصحة الدكتور جمال الحربي. فإلى جانب تنفيذه الفوري للأمر السامي بإرسال طائرة مخصصة لنقل الجرحى، حرص الشيخ محمد على طمأنة أهالي الضحايا ومواساتهم بقوله ان «هذيله أهلنا ولازم نقوم بالواجب معاهم». ثم فاجأنا معالي وزير الصحة باستقباله المصابين في المطار من داخل الطائرة، ومرافقتهم إلى مستشفى الفروانية وأشرافه على الفحوصات الطبية وإجراءات نقلهم إلى الأجنحة. ولم يغادر المستشفى إلا بعد الاطمئنان عليهم جميعا شاملاً المصاب الذي أرسل إلى مستشفى ابن سينا.لا الشيخ ولا الدكتور يعتقد بخصوصية زيارة الإمام الحسين في الأربعين، وقد يعتقد أحدهما أو كلاهما بعدم جواز زيارة الإمام في الأربعين وفي غيره من أيام السنة. ولكن بالرغم من عقيدتهما الدينية، تعاملا برقي مع الضحايا وأهاليهم كونهم مواطنين كويتيين من دون النظر إلى أي اعتبارات أخرى. لذلك أرى أن موقفي الوزيرين ترجمة صادقة لرغبتهما في تحصين الجبهة الداخلية، والموقفين أشبه بنجمتين من بين نجوم ساطعة في سماء مظلمة لكثرة الفتن الطائفية والصراعات الإقليمية وتطوراتها الأخيرة.لا شك أن الكويت اليوم في أشد الحاجة إلى المزيد من المواقف النجومية من قبل الوزيرين وزملائهما في الحكومة، بل نحن بحاجة إلى قمر مكتمل ينير لنا طريق ترسيخ الوحدة الوطنية وتدعيم الجبهة الداخلية. لذلك أقول انه إذا كانت المواقف التي تحمي حرية ممارسة الشعائر كالنجوم، فإن الإجراءات المضادة لمراكز الفتن الطائفية، كالبدر.قبل أيام قليلة، نُصب إعلان استفزازي على واجهة مبنى من جهة أحد الطرق الرئيسة، ينص على أن «عاشوراء يوم فرح وسرور وليس حزن وبكاء». الغريب أن إعلان مشابه قد تم نصبه قبل سنوات قليلة بالمضمون نفسه ومن المركز ذاته، قد تسبب في فتنة طائفية في حينها! والمريب أن إعلان عاشوراء نصب بعد يوم عاشوراء بل بعد انقضاء كامل شهر محرم... بتزامن مع مساعي البعض لتصعيد التوتر السياسي وإرباك الحكومة أكثر!لا أنوي الخوض في نوايا صاحب الإعلان، ولا أرغب سلب الآخرين حقهم في حرية الاعتقاد، فأنا ممن يحرص على حماية هذا الحق الدستوري، ولكن ليس على حساب أمن الوطن. لذلك أخاطب الحكومة قائلاً: إذا كنت جادة في ترجمة الرغبة السامية المتجددة بتحصين الجبهة الداخلية، فعليك أن تتصدي بقوة القانون لمراكز افتعال الأزمات، وعليك بدافع الحرص على أمن الدولة ردم منابع الفتن الطائفية ومحاسبة مثيريها ومن يقف ورائهم. فالأجواء دامسة الظلمة ونحتاج إلى نور البدر لنرى طريقنا... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com