... ستكتشف من خلال قراءة تحليلية لهيكلية ميزانية الدولة، أن معضلة الميزانية الكبرى ليست محصورة في جمع إيرادات إضافية، لكنها تتركز في باب الرواتب والمعاشات التقاعدية الآخذ في التصاعد سريعاً.وسيمر إصلاح ميزانية الدولة عبر طريقين رئيسي، وفرعي، الطريق الرئيسي سيكون عبر توجيه العمالة الوطنية بعيداً عن القطاع الحكومي إلى القطاع الخاص حيث سيتوقفون عن تشكيل خطر على ميزانية الدولة، أما الطريق الفرعي فسيكون من خلال معالجة متكاملة لسلم الرواتب في القطاع الحكومي لتخفيف الضغط على الميزانية العامة.إذاً، فالثقب الأسود في ميزانية الكويت هو باب الرواتب والأجور، وأقترحت سلفاً وقف تصاعد هذا الباب عبر الوقف الفوري لسياسة الدولة في التوظيف الحكومي للمواطنين، والاستعاضة عنها بضمانة حكومية لفرص توظيف في القطاع الخاص.لكن مثل هذه الإجراء التقشفي لن يكون كافياً لوقف تصاعدية الباب الأول من الميزانية، ذلك أن كوادر 2012 وفّرت تصاعداً مضموناً في رواتب موظفي القطاع العام، وهذه التصاعدية ستثقل كاهل ميزانية الدولة بأعباء مستقبلية حتى في حال وقف التوظيف الحكومي، إذ ستظل الحاجة إلى إصلاح هذا الثقب الفعلي عبر النظر في هيكلية أجور القطاع العام.وحتى في ميزانية 2016-2017 التقشفية ارتفع باب الأجور 4 في المئة، ويتوقع ارتفاعه 4 في المئة أخرى في ميزانية 2017-2018 التقشفية أيضاً.إذاً، نتفق أن أي محاولة إصلاحية لميزانية الدولة، عليها أن تتجه إلى تدابير تقشفية لن تنجو منها مرتبات وأجور المواطنين، والمواءمة السياسية لمثل هذا الإصلاح ستبدو محفوفة بالمخاطر وأقرب للاستحالة، ورغم ذلك أزعم أني وجدت طريقاً جديداً لإصلاح باب الرواتب والاجور.وستفاجئك نظرة في هيكلية رواتب الجهات الحكومية المختلفة، بحس العدالة الغائب في توزيع بدلات وأجور العاملين في جهات مختلفة، وسأذهب إلى القول إن معضلة الباب الأول لا تكمن في رواتب الموظفين الكويتيين بالجملة، ولكنها نتيجة منطقية للشكل المشوه لفروقات الأجور في بعض الجهات الحكومية.في 2016 ارتفعت بدلات ورواتب القطاع النفطي 26 في المئة، لتصل إلى ما يقارب مليار ونص دينار (55)، أي أن 20 ألف موظف نفطي سعداء الحظ يتقاضون مجموع رواتب توازي ما يتقاضاه 117 ألف موظف حكومي في وزارة كالتربية (56).ولا ينحصر هذا النمط التمييزي لأجور جهات مستقلة، في القطاع النفطي، ولكنه يتكرر في جهات مستقلة أخرى، وسأدعي أن معالجة هذا الخلل هو الأسهل في التطبيق، والأقل في الكلفة السياسية، إذ إن مكمن الخلل والتشوه في هيكلية الرواتب سيكون مفتاحاً للحل.فعند البدء في إصلاح أجور القطاع العام لن تكون مضطراً لتقليص رواتب أكثر من 85 في المئة من موظفي القطاع العام الذين يتقاضون رواتب ضعيفة أو معقولة (فقط 15 في المئة من موظفي القطاع الحكومي يتقاضون رواتب تفوق الالفين ديناراً شهرياً (57)، كل ما عليك فعله هو استهداف هؤلاء الذين يستنزفون الميزانية فعلاً، وبهذا ستنجح في تقليص ميزانية الباب الأول بشكل كبير مع توفير الألم التقشفي على الغالبية العظمى من موظفي القطاع الحكومي، ومن ثم فأنت لا تصلح مالية الدولة فحسب، ولكنك تنشر العدالة الاجتماعية المطلوبة بالوقت ذاته.ولكن سيبقى السؤال في كيفية معالجة هذا الخلل؟ دع عنك كل الحديث عن «البديل الإستراتيجي» والقه في أقرب سلة مهملات تجدها في طريقك، فتعقيدات ومتاهات مشروع كبير يستدعي رسماً جديداً لهيكلية أجور القطاع الحكومي برمته كـ «البديل الإستراتيجي» هي أكبر من أن تستطيع معالجتها أولاً، ثم أنت تعلم قبل غيرك عجزك عن تمرير هذا المشروع سياسياً بدون تعديلات جوهرية ستفرغه من محتواه، وتؤسس لشكل جديد من التمايز في الأجور.وبدلاً من هذا كله سأقترح تبسيط الأمر كله باستقطاع ضريبي نسبي لرواتب القطاع الحكومي فوق عتبة محددة، الأردن فرض استقطاع 10 في المئة من جزء أي راتب يفوق 2000 دينار أردني، ونحن في الكويت نستطيع استقطاع 20 في المئة لجزء الراتب الذي يفوق 2000 دينار كويتي شهرياً (راتب 2500 سيصبح 2400، راتب 3000 سيصبح 2800، راتب 4000 سيصبح 3600).خيار آخر أحبذه أكثر عدالة أجتماعية، وهو ألا تحتسب علاوة الأبناء عند حساب العتبة المحددة، وهذا سيكون أكثر عدالة لمن ترتفع رواتبهم فقط لكثرة عدد أطفالهم، ولكن في هذه الحالة علينا خفض العتبة السعرية التي نبدأ منها الاستقطاع إلى 1800 دينار.ومن ثم فإن مقاربة مثلى لمعالجة التضخم المستمر لبند الرواتب في الميزانية، ستكون عبر تغيير طريقة رفع المستوى الوظيفي لموظفي القطاع الحكومي، فحالياً يحصل الموظف على المسمى الوظيفي الأعلى بعامل الخبرة المقاسة بسنوات الخدمة فقط، وبشرط حصوله على تقدير امتياز في آخر سنتين، والخلاصة أن الجميع ينجح بطريقة أو بأخرى في الحصول على المسميات الوظيفية العليا، بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى.والمعالجة الفضلى التي سأقترحها هي في تجميد هذه الممارسة، والاستعاضة عنها بتدرج وظيفي محدد العدد سنوياً حسب حاجة كل وزارة، وسيُشترط في الوقت ذاته اجتياز اختبارات مفاضلة وقياس للأداء الوظيفي الماضي تحت الأشراف المستقل لديوان الخدمة المدنية لينجح الأوائل فقط في الحصول على المسمى الاعلى، فتدبير كهذا سيساعدك في التحكم بعدد المنتقلين لمستويات وظيفية أعلى ذات البدلات والمميزات الأثقل على الميزانية، وثم أنه سيوفر حس من العدالة يعطي دفعة من التشجيع والتحفيز لموظفي القطاع الحكومي على الجد والاجتهاد طالما ارتبط التدرج الوظيفي بالأداء.ولو جئت لتفكر بهذا الشكل الجديد للتدرج الوظيفي فهو أمر منطقي، فأنت فعلياً لست بحاجة إلا لأقل القليل من حملة المسميات العليا الذين ستستخدمهم للإدارة والكثير الكثير من حملة المسميات الصغرى الذين تحتاجهم للعمليات التشغيلية ذاتها (الحكمة التقليدية تذهب أن في المنظمات الكبرى كوزارات الدولة، فإن حدود سيطرة المسؤول(Span of control) تكون مثالية بحدود مسؤول واحد لكل 20 موظفاً.وستحتاج الأعمال الممتازة أن تكون فعلاً ممتازة، وسنكون مضطرين لإبقائها لإبقاء الموظفين متحفزين، ولكن الوضع الحالي يجب وقفه فوراً، الآن الجميع يستحق للأعمال الممتازة، ولا أصدق ما وصلت إليه لكن في المجمل عن 2017 بين نصف إلى ثلثي موظفي القطاع الحكومي حصلوا عليها، والحل الوحيد هو حصرها بعدد محدود ومعين لكل جهة حكومية لا يجب أن يتجاوز 10 في المئة من إجمالي الموظفين مع تطبيق توصياتي السابق ذكرها في التقييم الدوري.ولم تنجح مكافآت فرق العمل واللجان التي عمرها، إلا في قتل الافكار وتعقيد المسائل تحتاج للإلغاء الفوري، وبدلات العمل الإضافي وحتى الخفارة في ظل البطالة المقنعة هي مزحة سمجة لا أريد سماعها، أما الدورات الخارجية خصوصاً في القطاع النفطي فستحتاج لتقليص حاد.ويأتي التشدّد في الإنفاق الحكومي ثالثاً، فأولاً ستحتاج للإبقاء على ميزانية التموين الحكومي بل حتى سأوصي بإضافة المزيد من السلع المدعومة الأساسية، وسأوصي بإضافة نصف «دستة» من السلع يتقدمها اللحم والبيض ورفع نصيب الفرد من الدجاج والجبن المدعوم.وتذكر أن ميزانية التموين المدعوم (إذا استثنيت دعم مواد البناء) لا تكاد تذكر (أقل من 100 مليون دينار)، ولكن هذا الدعم ضروري، وأعتبره قطعة حلوى قد يستسيغ بها الشعب التدابير التقشفية التي ألقيتها في طريقه.ولكن ما سيحتاج عملية تحزيم سريعة هو بند المساعدات الاجتماعية، ومعضلته التي ساهمت في تضخمه هي في عمومية القانون التي لا تتماشى مع طبيعة هذه الحالات الاجتماعية التي تحتاج إلى تدقيق وفحص، فحالياً يتم صرف المساعدات وفقاً لإجراءات بيروقراطية جامدة لا تكترث أبداً لفحوى الحالة التي أمامها طالما المستندات الرسمية المطلوبة متوفرة، والبديل هو قراءة متمعنة لكل حالة على يد أخصائي اجتماعي متخصص ستكون مسؤوليته كشف أي تلاعب من جهة، وسيوفر في الوقت ذاته المرونة المطلوبة للتعامل مع مثل هذه الحالات الإنسانية وتوفير حلول أخرى، بالتالي سأقترح وقفا كاملا للمساعدات الاجتماعية بكافة أشكالها ثم جعلها (Means Tested)، فتدرس كل حالة على حدة.كما أن بند مساعدة النساء المتزوجات فوق سن 55، هو عنوان آخر للهدر وإيقافه واجب فوري، وسبق أن فصلنا في أهمية وقف الإعانات الاجتماعية لطلاب الجامعات التي ما نجحت إلا في تعزيز النهم الاستهلاكي المادي، وسأرجع لأشدد على أهمية وقفها الفوري، فالإيماءات الرمزية دائماً مطلوبة من الكبير قبل الصغير، ومميزات البيروقراطية العليا تحتاج تشذيباً حاداً، وغير كاف الاستعاضة عن إيجار السيارات الفخمة لمديري الإدارة الوسطى وما فوق، فالبديل النقدي للسيارة الذي أقر أخيراً عليه أن يكون أول ضحايا التقشف الحكومي.ثم ماذا سيقول الشعب عندما ترفع أسعار البنزين عليه فقط، ليكتشف في وسائل الإعلام الاجتماعي مناقصات مليونية لتوزيع كوبونات بنزين مجانية على البيروقراطية العليا؟وسيبقى الهدر الأساسي لميزانية الدولة متمركزاً في أروقة الوزارات المختلفة حيث المناقصات المليارية، ولابدّ من التوسع في صلاحيات لجنة المناقصات المركزية، وضوابط طرح المناقصات كما ضوابط تأهيل الشركات يحتاجان لمراجعة كاملة، حتى الترسيات ستحتاج أن تكون وفقاً للرأي الفني للجنة المناقصات المركزية لا الجهة الحكومية الطالبة للمناقصة، وبالتالي سنحتاج لتطعيم لجنة المناقصات بجهاز فني كامل.ولا يجب أن تفلت مناقصات القطاع النفطي الأقل من 5 ملايين دينار، من مظلة اللجنة الرقابية، ثم ستحتاج لوقف الهدر للتشدد في مراقبة تنفيذ هذه المناقصات، وهذه ستكون المسؤولية الوحيدة التي سنعهد بها إلى البيروقراطية الحكومية، ولكن لا بد من آلية صارمة للثواب والعقاب تورق بها ليل هذه البيروقراطية.ومن ثم نأتي إلى الرسوم والإيرادات الحكومية، وهذه تحتاج مراجعة متأنية، وسنحتاج لرفع رسوم الخدمات الحكومية إلى تكلفتها الحقيقية، وحتى رفعها لضعف قيمتها الحالية سأراه قليلاً، فرفع قيمة المخالفات المرورية إلى 3 أضعاف قيمتها الحالية ضرورة قانونية قبل أن تكون حاجة مالية، كما أن رسوم استجلاب العمالة المنزلية يجب أن تتماشى أولاً مع تكلفة هذه العمالة على الخدمات الحكومية المقدمة لها وأولها الصحة والبنية التحتية، وعليها أن تكون مثبطة لناحية لجلب المزيد من هذه العمالة الهامشية ( 662 ألفاً في 2016 بمعدل خادم لكل كويتيين)، وأي رسوم سنوية أقل من 500 دينار لن تنجح في التخفيض الذي نريد.وربما تعجبك التصاعدية فتستثني الخادم الأول من أي رسوم، لكن ترفعها بنسب أعلى على الخادم الثاني، ومن ثم الثالث وهكذا.ونأتي بعد ذلك لرسوم السيارات، وهنا نريد أن نضرب 3 عصافير بحجر واحد، إصلاح أساليب القيادة المتهورة بل الأقرب للجنونية في الكويت وبذات الوقت تطبيق نظام عادل لتعويض المتضررين من الحوادث المرورية، مع تخفيفنا للضغط المتزايد للسيارات على البنية التحتية للشوارع والطرق، ويكمن الحل في نظام تأميني جديد عادل ترتفع وتنخفض به قيمة بوليصة تأمينك حسب أسلوب قيادتك وتسببك في حوادث مرورية أو أخذك لمخالفات مرورية/ ثم للدولة دائماً حق فرض رسوم على السيارات في الشوارع (1.925 مليون في 2015 حسب إحصائيات الإدارة المركزية للاحصاء وبنسبة نمو سنوية تبلغ 5 في المئة للسنوات الخمس الأخيرة).وستكون رسوما سنوية بحدود 100 دينار مناسبة جداً (58)؛ كما أن النظر في رسوم المعاملات الحكومية الروتينية يأتي ثانياً ( إصدار أو تجديد جواز سفر / بطاقة مدنية/ رخصة سوق)، والزيادة الاخيرة في رسوم هيئة القوى العاملة في 2016 أقل ما توصف بالهزيلة ( 10 دنانير فقط لتجديد إذن عمل)، وسأقترح مضاعفتها على الاقل.وقد تكون رسوم إصدار رخصة تجارية الأرخص عالمياً، وأعلم أننا نريد تسهيل بيئة الأعمال وتشجيع الشباب على العمل الحر، وكل هذا الكلام الحشو الذي مللت من سماعه، ولكن من غير المعقول أن تكون تكلفة إصدار رخصة تجارية لبقالة صغيرة مساوية لرسوم رخصة شركة مليونية (80 ديناراً لمدة 4 سنوات)، وسأذهب مع نظام دبي الأكثرعدالة ومنطقية فأربط تكلفة الرخصة مع تكلفة الإيجار السنوي للمنشأة (1 في المئة من الإيجار السنوي سيكون كافياً).التأمينات الاجتماعيةسيحتاج نظام التأمينات الاجتماعية لإصلاح عاجل هو الآخر، وبالونته المتضخمة ستكون طريقاً آخر لإفلاس الدولة، لا السرقات المتتالية ولا الأداء الاستثماري المثير للشفقة لمؤسسة التأمينات الاجتماعية يخفيان الحقيقة المؤلمة.فالعجز الاكتواري في التأمينات الاجتماعية حقيقي وآخذ في التصاعد (9 مليارات دينار في الفحص الاكتواري الثاني عشر (59).وستكون كلفة زيادات الكوادر في الأعوام المقبلة ستكون باهظة على ميزانية الدولة، وسنحتاج لإجراءات حازمة وسريعة لا تأتي إلا بإرادة سياسية شجاعه ولكن هل نملكها؟المعاش التقاعدي للكويتي سخي للغاية فيصل إلى 95 في المئة من آخر راتب أساسي، مقابل متوسط عالمي هو 60 في المئة لدول منظمة التعاون الاقتصادي الغنية.وسيكون من المستحيل سياسياً خفضه على المتقاعدين أو حتى على المؤمن عليهم الحاليين بمؤسسة التأمينات الاجتماعية، وأنا لا اقترح ذلك بتاتاً ولكن الواجب هو خفضه على القادمين الجدد لسوق العمل ( مرة أخرى نحو 200 الف شاب خلال 2017-2027)، لننزل إلى 85 في المئة من أخر راتب (لراتب 1500 دينار فإن أكثر المتضررين سيخسرون فقط 150 ديناراً شهرياً ليحصلوا على راتب تقاعدي أساسي هو 1275 بدلاً من 1425 ديناراً، وليس بالتخفيض الضخم إذا جئت للتفكير به.ولكن هذا فقط قمة رأس الثلج، فالمعالجة السريعة يجب أن تكون للمعاش التكميلي الذي يغطي جزء الراتب ما فوق 1500 دينار إلى 2750 دينارا، ويستفيد منه أصحاب الرواتب العالية فقط.وتتعدد طرق المعالجة، فالاشتراك الشهري على المؤمن عليه ضئيل جداً ولا يتعدى 5 في المئة، وربما عليك رفعه إلى 10 في المئة على الأقل، ثم أنك لا تستطيع إلزام صاحب العمل بالمساهمة في سداد الاشتراكات الشهرية للمعاش التكميلي (حالياً 10 في المئة)، فهذا التزام إضافي يختاره المؤمن عليه فوق الراتب الاساسي.وأقترح أيضاً نقل كلفته للمؤمن عليه كاملة، ثم عليك تخفيض السقف الأعلى للمعاش التكميلي إلى 2000 أو 2250 ديناراً فقط، ويجب علينا جميعاً فهم أن الهدف من الراتب التقاعدي هو مساعدة الافراد على العيش بحياة كريمة بعد التقاعد، وليس توفير رفاهيات وكماليات استهلاكية.وكالعادة سأستغرب إن توافرت الإرادة السياسية لمثل هذه التغييرات الجذرية، فربما يكون خيارك الثاني هو فرضها تدريجياً على القادمين الجدد لسوق العمل لا المؤمن عليهم الحاليين (سأختلف معك في هذا).ولكن الضروري هو الإلغاء الفوري لمكافأة نهاية الخدمة التي لم تأت إلا بصفقة سياسية رخيصة، ولكن عندما تلغيها لا تنس إلغاءها عن كافة القطاعات الحكومية بما فيها القطاع النفطي والجهات الخاصة التي درجت على استلامها قبل قانون (على الاقل ليكن عندنا حس عدالة ومساواة).وسيكون من نافلة القول الاستطراد في جدوى سياسة أشد صرامة لمواجهات حالات العجز والمرض، وجواز الجمع بين معاشين تقاعدين هو ترف لا نستطيع تحمله الآن فلا بد من وقفه، ورفع مدة الاشتراك الأدنى لاستحقاق الحصول على معاش تقاعدي من الـ 15 سنة الحالية إلى 25 سنة على الأقل هو أقل ما تستطيع عمله (ربما تستطيع اسثناء حالات التقاعد الطبي أو الناتج عن عجز مثبت).كما أن حصر المستحقون لمعاش المتوفى على أبنائه وزوجته العاطلين عن العمل أمر بدهي واجب النفاذ (حالياً حتى إخوة المتوفى لهم نصيب)، أما إذا كنت متفاجئاً من حجم التغيرات التي أنشدها فإياك أن تصدقني، ما عليك إلا سؤال أي خبير اكتواري عن كلفة الـ 200 ألف قادم الجدد على ميزانية صندوق التقاعد وأستعد للصدمة.ولكن كل هذه الإجراءات الإصلاحية لن تؤدي إلى نتيجة، طالما ظل البنك المركزي الكويتي على سياسته، ولن أقول إنه لدينا سياسة نقدية خاطئة بل أقول تنعدم لدينا أي سياسة نقدية، ودائماً ما يكون هدف السياسات النقدية للبنوك المركزية هو استهداف حد معين للتضخم (في الدول المحترمة غالباً ما يكون هذا بحدود 2 في المئة سنوياً)، وثانياً وهو الهدف الأهم ضمان معدل بطالة منخفض، إذ إن أداة تحقيق هذه الاهداف الرئيسية هي في التحديد الربع سنوي لسعر الفائدة والخصم.ولكن في الكويت البنك المركزي يتجاهل هذه الأهداف الحيوية، ويقرر أن يتبع السياسة النقدية الأميركية بشكل أعمى، ولكن عندما يرفع الفيديرالي الأميركي الفائدة أو يخفضها فهو ينظر لصالح الاقتصاد الأميركي لا الكويتي، فهو يرفعها أو يخفضها بعد قراءته لمؤشرات أميركية (معدلات البطالة / إنفاق المستهلك)، ولكن واقع اقتصادنا الكويتي يختلف تماماً ويحتاج لسياسة محلية تنظر في مؤشراته هو!ثم لاحظ معي أن مسؤولية تضخم الأصول العقارية بين 2007 و2014 تقع على عاتق البنك المركزي لوحده، عندما خفض سعر الفائدة وراء البنك الفيديرالي الأميركي بلا نظر لخصوصية اقتصادنا المحلي، أتريد حماية البنوك المتخمة بقروض لا يرجى سدادها؟ تستطيع حمايتها عبر إلزامها بزيادة رأسمالها وليس عبر توفير المزيد والمزيد من المال الرخيص.ماذا سيحدث عندما ترتفع الفائدة الأميركية إلى معدلاتها الطبيعية؟ ( هي الآن 1 - 1.25 في المئة مقابل متوسط فائدة أميركية تاريخية تقف عند 5.18 في المئة خلال المئتي سنة الماضية).وثم لحظة ! لحظة! لحظة ! لماذا اعتبار الدينار عالي القيمة مصدر قوة للاقتصاد المحلي؟ أنا كنت أعتقد ذلك أيضاً لكن هذا فقط عندما كنت في التاسعة أو العاشرة من عمري ! هؤلاء «الاقتصاديون» الفخورون بقوة الدينار يحتاجون عودة سريعة لصفوف الدراسة، فهو مصدر ضعف لا قوة، والدول تتلاعب بعملتها فتخفضها لترفع من تنافسيتها، ونحن نتفاخر بقوة دينارنا حتى في ظل عجز لا نعلم كيف نديره!لن أطلب الكثير هنا، فجل ما أدعو إليه هو التفرد في وضع السياسة النقدية حسب حاجاتنا في توجيه الاقتصاد المحلي بواسطة اقتصاديين حكماء. وكما كررت مراراً في هذه الدراسة، فإن العجز المالي جزء من المعضلة الأكبر التي ستواجهنا في توفير فرص عمل لأكثر من 200 الف شاب كويتي في السنوات المقبلة، وسأدعي أن سياسة نقدية متفهمة لحاجاتنا المحلية هي الطريق الأساسي لحل هذه المعضلة.وعلى هذه السياسة تحديد أولوياتها في تدبير دفة الاقتصاد المحلي، فمثلاً هل نحاول كبح التضخم الذي سيحصل حتماً بفعل هذه الإجراءات الإصلاحية برفع الفائدة؟ أم نعطي للمستهلكين حيزاً من الحركة في مواجهة هذا التضخم بإعطائهم المزيد من القروض الرخيصة بخفض للفائدة؟ ثم فالمفترض أن لديك معدلات بطالة معينة تسعى لتحقيقها لكن هل نخفض الفائدة لنساعد القطاع الخاص على توفير المزيد من فرص العمل أم نرفعها لأن التضخم فاق أهدافنا المعلنة؟كما ترى الموضوع شائك وسنحتاج لاقتصاديين حكماء، ولكننا سنلاحظ أن محافظ البنك المركزي الحالي كما نائبه هم من المهندسين لا الاقتصاديين، جداً رائعيين في تصميم وبناء مبنى البنك الجديد إذا كانت المباني الخرسانية المصندقة من النوع الذي يروق لك، ولكن بذات الوقت جداً سيئين في وضع السياسة النقدية للبلد، واستبدالهم بخبرات أجنبية أقل متاعبك (على فكرة بريطانيا أتت بمحافظ كندي لإدارة بنكها المركزي، وأبداً لا داعي للحساسية المفرطة).ومن ثم قإن عالم الأعمال والمال يكره الضبابية والمجهول، فالحاجة ماسة إلى توجيه أمامي من محافظ البنك المركزي (Forward Guidance)، وهذه التأكيدات الشفهية عن سعر الفائدة المستقبلي في الأشهر المقبلة خصوصاً إذا ربطت بتحقيق أهداف اقتصادية محددة كمعدلات التضخم أو البطالة، ستعمل كأداة جديدة للتأثير على توقعات السوق المستقبلية، وبالتالي ستعمل على التأثير على القرارات الاقتصادية الحالية للمستهلكين والأعمال والمستثمرين.الخلاصةالآن، سأختم بتساؤل مستحق، فأغلب إصلاحات هذا النموذج الإصلاحي تنتقص من مميزات ينالها أصحاب الشركات (ضريبة أعمال / ضريبة على العمالة الوافدة / ضريبة عقارية)، إضافة لمميزات ذوي الأجور المرتفعة (انتقاض من الراتب التقاعدي وضريبة على جزء الراتب الاعلى من 2000)، لماذا هذه الاشتراكية؟ هل تقرأون بياناً شيوعياً جديداً؟ كلا على الإطلاق، فقط إذا قررت أن تستخدم مخك ستجد أني ببراعة تامة قد وزعت كلفة هذه الإصلاحات على كافة فئات وطبقات المجتمع؟ونموذجي الإصلاحي وحده سيوفر المستحيل، إصلاحات اقتصادية بعدالة اجتماعية يتحمل كلفتها الشعب برمته بلا أفضلية لطبقة أجتماعية أو فئة عمرية محددة، وستفشل أي محاولة إصلاحية لا يشعر الشعب أننا جميعا ندفع ثمنها، والفرق هو أن شكل هذه الكلفة سيختلف من فئة لفئة.فبينما البرجوازية العليا ستدفع كلفتها فوراً على شكل ضرائب جديدة أولاً، والانكماش الاقتصادي المتوقع وضغطه على هوامش ربحيتها حين تنخفض القوة الشرائية للمواطن ثانياً، وبينما ستطال الفئات العليا من الطبقى الوسطى كلفة هذه الإصلاحات عبر تقليص مباشر لرواتبهم الحكومية أو التقاعدية.وسأدعي أن الطبقتين الوسطى والوسطى - الدنيا ستتحملان الكلفة أيضاً لكن بصورة غير مباشرة، بحيث أنه في سوق مغلق تغلب عليه الممارسات الاحتكارية كالسوق الكويتي، فإن أغلب كلفة الإصلاحات الموجهة لقطاع الأعمال ستنقل جزءاً من كلفتها المالية سريعاً لا بطيئاً إلى المستهلك النهائي في صورة تضخمات سوقية سينتج عنها تضاؤلات لا تضاؤل واحد في القدرات الشرائية لهاتين الطبقتين.كما أن مصاعب هاتين الطبقتين لن تتوقف هنا، فاستجابة الفئات الشبابية منهما بسوق عمل أكثر تنافسية لكن أقل دعماً مادياً بلا خيار للعمل الحكومي المريح، وإذاً بصورة أو بأخرى نجحت في جعل كافة فئات المجتمع تتحمل تكلفة هذا الإصلاح ثم جاذبية هذا النموذج تتجسد في أنه لوحده يحاول إصلاح عجز الميزانية بمعالجات هيكلية مختلفة، أولاً عبر تقليص الإنفاق الجاري على فاتورة رواتب القطاع الحكومي، وثانياً عبر تنويع مصادر الدخل وخلق المزيد من فرص العمل في القطاع الخاص إما عبر الإحلال القسري أو عبر بناء شراكات استثمارية كبرى. وثالثا عبر الرفع التدريجي للإيرادات الضرائبي، وبديل ما أقول هو أن تجري خلف إملاءات صندوق النقد والبنك الدولي «الذين ما دخلوا قرية إلا أفسدوها»، ولجهل ساستنا في أبجديات الاقتصاد ستزداد جاذبية خيار تسليم رقبتنا لهؤلاء الليبراليين الجدد الذين لن أمل من التحذير من خطرهم.فكيف سيفهم بيروقراطي البنك الدولي وصندوق النقد تعقيدات وخصوصية الحالة الكويتية؟ ثم هؤلاء لن يستوعبوا طبيعة سوق العمل المفتوح في الكويت، بحيث يستطيع أي وافد أجنبي بسهولة القدوم للعمل أو حتى امتلاك عمله الخاص.وستمنع ارثودوكسية البنك الدولي وصندوق النقد القائمة على (Free Movement Of Labor)، من اقتراح الحل الطبيعي في غلق سوق العمل على الوافدين، وسيعجزون عن فهم أن رخص «وحدة تكاليف العمالة» ( Unit Labour Costs ) التي يصفقون لها ويعتبرونها من إيجابيات الاقتصاد الكويتي هي في واقع الأمر رخص مصطنع بفعل الدخول المستمر لعمالة وافدة رخيصة.وسأكشفها لوحدي في صورتها الحقيقية كسلبية كبرى تقف كعائق أساسي أمام توطين العمالة الكويتية، فالوصفة الدوائية لهؤلاء معلنة ومكررة دائماً خصخصة كاملة ثم تقليص لكافة أشكال الدعم الحكومي لكنهم في حالة الكويت سيواجهون معضلتين مرتبطتين ببعض لن يفهموا كيف التعامل معهما: مجتمع يغلب عليه الطابع الشبابي يلقي بعشرات الآلاف سنوياً إلى سوق عمل يغلب عليه الأجنبي حيث يستطيع صاحب العمل دائماً الإتيان بالمزيد من العمالة الرخيصة.وفي هذا النموذج الإصلاحي ستجدني أدعو لمزيداً من الاستثمارات والانفاق الحكومي، لكن كيف أجرؤ أن أدعو لهذا في ظل عجز مالي اتفقنا أنه آخذ في التصاعد؟ إنها الكينيزية ببساطة، لكن بتطويعات بسيطة لتناسب الخصوصية الكويتية.وأزعم أن الكينزية بصورتها التقليدية لن تنفع السوق الكويتي المغلق مع ممارساته الاحتكارية، فكل ما ستصرفه الدولة من إنفاق حكومي لتنشيط الاقتصاد (غالباً في صورة مناقصات) سيتحول إلى ودائع مالية جامدة في البنوك الخارجية لثلة من المتنفذين، ولن ينجح في تحريك عجلة الاقتصاد.والأفضل هو هذا الشكل الجديد من الكينزية التي اقترحها «إنفاق حكومي سخي على بنية تحتية تعليمية جديدة قائمة على التعليم الفني التكنولوجي لن تظهر آثارها إلا بعد 10 سنوات على الأقل، ولكنها ستوفر الاساس القوي الذي سيستند إليه الاقتصاد الكويتي الجديد إضافة لاستثمارات حكومية طويلة الأمد في شراكات أجنبية تمهد التربة لنقل التكنولوجيا وتوفر فرص عمل للشباب إضافة لفتح المجال أمام تنويع مصادر الدخل».حتى إذا لم يعجبك ما أقترحه دعنا نتحدث عن «تكلفة الفرصة البديلة»، ما الذي لديك أنت أو لدى أي خبير اقتصادي تعرفه ليقدمه؟ أنا أدعو لعودة جزء من احتياطات الكويت المليارية وإنفاقها في استثمارات طويلة الأمد مع شركات عالمية على أرض الكويت، لتأسيس اقتصاد كويتي جديد لكن ما بديلك أنت؟لا تضحكني بالمحاولات الاستثمارية الخائبة لهيئة الاستثمار (60)، إذ نستطيع المضي قدماً في استنزاف احتياطات الكويت المالية عبر الإصدارات المتتالية لسندات دين نمول بها العجز المالي سنة تلو السنة، بانتظار ارتفاع سعر برميل النفط، لكن إلى متى؟ هل تتوقع أرتفاعاً في الطلب على النفط ؟هذا تفكير رغبي تخدع به نفسك، فأولاً معركة «أوبك» مع النفط الصخري أنتهت سريعاً بخسارة ذريعة فلا أتوقع أن أرى برميل النفط فوق 55 دولاراً في المستقبل المنظور، وثانياً فإن التحول المستمر إلى استخدام الطاقة النظيفة والمتجددة سيكون له تأثير بالغ على الطلب العالمي على النفط في العشرين سنة المقبلة، وثالثا التحسينات المستمرة في معدل كفاءة استخدام الوقود سترجع لتقلل الطلب العالمي عليه.الفرصة موجودةولكن رغم كل ما كتبت سيتسيد التشاؤم الموقف، وفرصة الإصلاح موجودة كما أثبتها بهذا النموذج لكني أقرب لليقين أنها ستطوفنا كالعادة، المستقبل مظلم، لا لا سأحتاج أن أكون أكثر واقعية المستقبل أسود تماماً إذ ان الإصلاح عملية ليست بالسهلة أبداً.ونحن نحتاج للكثير من الدراسة، الأكثر من العمل الجاد الدؤوب، وسنحتاج للدقة في الاهتمام بالتفاصيل، وسنحتاج أمانة وإخلاصاً وتفانياً في العمل، أما أكثر ما نحتاجه فهو الفطانة والدهاء لكن أنت تعلم قبلي بفقر ساستنا الذاتي في أغلب هذه المهارات والصفات، ثم فهذا ليس كل ما نحتاجه فنحنا بأمس الحاجة لإرادة وشجاعة سياسية لكن بين ساستنا ذوي الركب اللينة ستعجز عن العثور على سياسي واحد يمتلكها.أين ستعثر على تاتشر أو ريغان أو حتى شرويدر هنا؟ وبعد أن أفسدت الريعية (Rentier) المجتمع لمدة 50 عاماً فكيف ستصلح؟ أخشى أن الفشل في انتظارك، حتى هذا النموذج الإصلاحي لن ألوم الساسة كثيراً إذا القوة في أقرب سلة مهملات.وأنا أعلم أنهم أعجز من إدراك مغازيه، ولكن علينا فهم أن هذه هي الفرصة الأخيرة للكويت، ولن تتكرر هذه الفرصة مرة أخرى، إذ نحتاج وقفة جادة الآن وليس غداً، والإصلاح في حالة الكويت ممكن لكن أين رجالات الدولة؟
اقتصاد
دراسة / هذا هو النموذج الكويتي للإصلاح (الحلقة الأخيرة)
... لاستقطاع ضريبة نسبية من رواتب الموظفين الحكوميين
02:43 م