ستموت بعد أسبوع من الآن! لذلك وبينما كانت الممرضة تحقنها بمخدر للألم كانت تحدثني عن ليلى التي كانت معها في المدرسة الابتدائية قبل خمسين عاماً مضت كصديقة غائبة قررت أن تكون حاضرة هذا الوداع عبر الذاكرة، حكت عن تلك الأوقات السعيدة التي قضتها معها والمقالب الجميلة التي قامت بها معها... ثم تنفجر من الضحك وتضرب فخذيها براحتيها على سرير المستشفى في حالة لم تستمر طويلاً، لأنها فجأة وبلا مقدمات غطت في نوم عميق من فرط الإبر المغروزة في عروقها والمسكنات المعلقة والمحقونة في دمها، فهذه غالباً حال المصاب بالسرطان في مراحله الأخيرة! وهذه غالباً كانت حال أمي.كنت استغرب تلك الأحاديث الأخيرة بيني وبينها، وأتساءل لماذا تحدثني وهي على فراش الموت عن وجبة لذيدة أكلتها منذ ثلاثين عاماً، ثم تردد: مازال طعمها في فمي، ولماذا تحدثني عن ذالك العيد الذي جمعت فيه مبلغاً من المال عبر عيادي الأهل، ثم اشترت به مسجل كاسيت مع مجموعة عبدالحليم، ثم عدلت جلستها رغم تحذيرات الطبيب، وغنت لي أغنية «زي الهوى ياحبيبي»، وفي عز الكلام سكت كلامها... ونامت!في زيارة أخرى تحدثني عن سعادتها المرة الأولى التي ركبت فيها أرجوحة مع أبيها وتظهر على وجهها تعابير انفعالية باسمة وتهز يدها وهي تحاكي الإيقاع الحركي له ولها في الهواء، وتحكي بحماسة منقطعة النظير عن المرة الأولى التي رأت النهر في طفولتها، وعن إعداد طعام رمضان مع أمها والصحن الذي أخذه ابن الجيران وكسره عمداً، لكي يظهر مشاعر قلبه المكسور بالحب لفتاة لم تتجاوز الثانية عشرة من العمر، وعن رحلة عمرة قامت بها وطافت حول الكعبة وعن مشاعرها بين الصفا والمروة كأم وهي مصطحبة معها أم إسماعيل عليه السلام، وتردد دعاء لم أعد أذكر المفردات التي استخدمتها فيه، وعن مشاعرها المتضاربة بين الحزن والسعادة عندما ولدتني صامتاً وأنا أتعرض للضرب أمامها لكي أبكي وأتنفس، وكيف أنها عندما رأتني أبكي كرضيع لأعيش... ابتسمت مغشياً عليها... تحدثني فتطغى مشاعرها وتفيض، فيصرخ جهاز النبض الطبي عبر الصفير محذراً عن شيء غير طبيعي من المرح بالنسبة لمريض يوشك على الموت... يأتي الأطباء ويخرجوني وأجلس في ممر المستشفى لأبكي كطفل... وهي تدخل في غيبوبتها مبتسمة كأم! هكذا يعيد التاريخ نفسه ولكن مرة ككوميديا ومرة كتراجيديا.ماتت هي، وعشت أنا لأروي... وما الذي يمكن أن أرويه سوى الدرس الأخير الذي تعلمته منها رحمها الله...لأنساها وأذكرها كلما تذكرت ونسيت الحياة.في اللحظات الأخيرة من عمر الإنسان لا يبقى في الذاكرة سوى الذكرى الجميلة، وباقي العمر حتى لو كان مليئاً بالحزن والألم والفراق والكدح والكفاح، فهو هامش ترابي لنبتة صحرواية كانت تعلن كل يوم أنها تريد أن تعيش رغم زحف أكوام الرمال التي اعتادت أن تدفن أمثالها بالحيا... كل ذلك مجرد تفاصيل صغيرة أمام لحظة جميلة شعرنا يوماً من خلالها بوجودنا وإنسانيتنا وجمال خلق الله فينا... شعرنا فيها أننا إمكانية بشرية تستحق الحياة، إن ألم العالم ووجه المكفهر ولحظاته المظلمة وستائر الهم المنسدلة عبر أثيره لا تصمد أمام ابتسامة نابعة من قلب طفلة صغيرة تلعب مع أخيها وتقفز على الكراسي الخلفية لسيارة يقودها أب يحمل في رأسه ذكرى نبتة صحراوية كانت تستحق الحياة.إنها ليست دعوة للنسيان، بل دعوة لتذكر من نحب عبر إعادة ترتيب أوراق الذاكرة المبعثرة على طاولة كتب عليها (ما ينبغي لنا أن نحمله معنا).أيها الآباء والأمهات...التفتوا إلى لحظاتكم الجميلة والبسيطة وراكموها فهي التي ستبقى معكم حتى النهاية، إنها اللحظات التي تستحق أن تروى عندما تتزاحم عليكم الذكرى فتقرروا أن تخرجوا بالأجمل وليس الأرسخ من الأحداث، إنها اللحظات التي تجعل منكم أبطالا أسطوريين أمام ابنائكم ولا يشترط أن تصعدوا على المسارح أو تخلدوا في الملاحم أو ينشر لكم نعي يملأ الآفاق في الجرائد، يكفيكم فقط أنكم يوماً ما شعرتم أنكم كنتم تستحقون الحياة، وجعلتم أبناءكم أيضا يشعرون أنهم في كل يوم معكم... يستحقون الحياة.هذه يا صديقي أحمد رسالتي لك، لعلها تواسيك في فقد أمك، رحمها الله، التي توفت قبل أيام، وها أنا ذا أدعوك لنسيانها في كل مرة تتذكرها، وتذكرها في كل مرة تنساها... ويالها من محاولة أدبية فاشلة يحاول فيها كاتب أن يواسي شخصاً ما فقد أمه!كاتب كويتيmoh1alatwan @
مقالات
خواطر صعلوك
ماتت هي... وعشت لأروي!
12:52 م