لا أحد من المسلمين ينكر أن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ولا واحد من الموحدين يعترض على أنها عماد الدين ومن أقامها فقد أقام الدين، ولا نفر من المؤمنين بكتاب الله ينكر أن أول شيء يحاسب عنه الله عباده يوم القيامة الصلاة فإن قُبلت قُبل سائر عمله الصالح وإن ردت لم يقبل شيء من عمله ولو بلغ مثقال الجبال...نؤمن بهذا كله ولا ننكره، ونوقن به ولا نرفضه وذلك لأن جميع الشرائع السماوية التي أنزلها الله على رسله أوجبتها، وبعد أن كانت خمسين صلاة في اليوم والليلة خففها الله على أمة محمد ليلة الإسراء والمعراج إلى خمس في العمل وخمسين في الأجر، كما أن جميع المعتقدات البشرية والمذاهب الإنسانية أقرتها كل حسب طريقته في الإيمان بإلهه... وعلى الرغم من هذا الإيمان الذي لا تشوبه شائبة في المعتقد الإسلامي، أو الثبات على المبدأ في عقائد الأمم السابقة والمذاهب المخطوطة يبقى سؤال يتبادر إلى الأذهان مفاده لماذا نصلي؟أستاذ كلية الشريعة في جامعة الكويت الدكتور خالد شجاع العتيبي في مجمل إجابته عن هذا السؤال، قال «إن المسلم مطالب بتقديم النقل على العقل أي أن يُقدم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة التي أوجبت على المسلم الصلاة على رأيه وهواه أو ما قد يظن أن عقله دلّ عليه، هذا إن حصل تعارض في ما يظهر له بين النصوص الشرعية وعقله؛ لأن الأصل والمعلوم عند العلماء أنه لا تعارض بين النقل والعقل أي بين ما ثبت من النصوص الشرعية وما تدل عليه العقول الراجحة».وأضاف: «جاء في القرآن الكريم في أول سورة البقرة ذكر صفة هي من أخص صفات المؤمنين ألا وهي الإيمان بالغيب وذلك في قول الله تعالى (الذين يؤمنون بالغيب...) ثم قال بعدها مباشرة (ويقيمون الصلاة...) فذكر بعد صفة الإيمان بالغيب التي يتصف بها المؤمنون ذكر إقامتهم للصلاة وهذا يدلنا دلالة واضحة بينة على ارتباط الإيمان بالغيب بقضية الصلاة التي هي أعظم العبادات بعد الشهادتين وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة وهي آخر ما وصّى به النبي صلى الله عليه وسلم».وزاد: «تجدر هنا الإشارة إلى أهمية الصلاة فهي عمود الدين وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة) وقال أيضاً (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، والأصل في المؤمنين أن يقولوا (سمعنا وأطعنا) فالمؤمن يعلم أنه عبد لله تعالى يجب عليه امتثال أوامره واجتناب نواهيه دون اعتراض أو طلب لتعليل الأحكام أو معرفة أسرار التشريع، ولكن إن جاءت مبينة في الشرع أو مستنبطة من قبل أهل العلم فهذا زيادة في الخير، وإلا لو كان كل تشريع لا بد من معرفة أسبابه وعلله وأسراره قبل الإيمان والعمل لأدى ذلك إلى ترك العمل بكثير من نصوص الشريعة».وختم العتيبي بالقول: «على العبد أن يسأل ربه عز وجل الهداية والتوفيق فإن الاستجابة لأوامر الشرع توفيق من الله، والهداية بيده سبحانه فكم من ذكي لم يوفق لذلك وكم من رجل دون ذلك وفقه الله للإيمان والعمل الصالح، سائلاً الله تعالى لي ولكم التوفيق والسداد والقبول والرشاد وأعوذ به من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن».من جانبه، أوضح دكتور الفقه المقارن وأصول الفقه الدكتور عبدالله مساعد بوغيث «أننا نقيم في اليوم خمس صلوات قائمين ساجدين راكعين متوجهين بصلاتنا إلى المولى عز وجل فلماذا نصلي»؟ وتابع: «قد يبدو السؤال للبعض موضع استغراب والبعض الآخر متلهف للجواب حتى يُقنع عقله وقلبه ولإجلاء كل هذا وذاك سأترك لك أخي القارئ جواب هذا السؤال، ولكن ليس قبل أن تجيب عن تلك الأسئلة المطروحة... أرأيت لو أن إنساناً قدم إليك هدية أو عوناً بأي شكل من الأشكال كحمل متاعٍ لك، أو أرشدك إلى الطريق الصحيح بعد أن اشتدت بك الحيرة أو دفع معك سيارتك أو ناولك شيئاً قد سقط منك. أليس أقل شيء تفعله هو كلمة شكراً أو تبدي إحسانك على تكرمه وتحترمه في نفسك وتقدر عمله، لا أظن يا أخي إلا أن يكون جوابك ببلى. بل إنك تتمنى أن تكافئه على معروفه بأحسن منه، وكلما كان الفضل أكبر كان التقدير أكبر وأعظم».وأضاف: «يا أخي ألا ترى أنه ليس هناك من متفضل ومنعم مثل الله سبحانه وتعالى عز وجل الذي منحك العقل والحواس وجعلك في أحسن صورة ألم تنصت إلى قوله تعالى ?الذي خلقك فسواك فعدلك?، ولم يجعلك كالبهائم فتمشي على بصيرة من أمرك إلا الذين عطلوا عقولهم فصاروا يتخبطون في سيرهم؟، وألا ترى أن الذي أعطاك الصحة والعافية والذي أغدق عليك الرزق الطيب ?وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون? ووهب لك الأهل والولد والمال وزين بهم حياتك (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) وقبل هذا كله هداك إلى الدين القويم وأنقذك من التخبط في شباك الأديان الوهمية المغرقة في ضلالها وغوايتها؟، أيعقل أنه بعد كل هذا تجحد وتنكر عبودية المولى عز وجل وترفض وتتكاسل وتتهاون في السجود له؟ وما عبوديتك له إلا عزاء لتكبرك جحوداً أو ذلا، والله ما أمرك بالصلاة إلا إحساناً منه وتكرماً فكيف تقبل إحسان البشر ولا تقبل إحسان رب البشر»؟وتساءل: «ألم تتأمل يوما من أيام حياتك الفانية ولحظات عمرك قريبة الأجل أن الذي خلقك هو العالم بشؤونك كلها جُلها وصغيرها فهو يعلم ما تؤول إليه حالتك ولا يغيب عنه من أمرك شي فيعلم إذا ما أصابتك مصيبة وشدة وكيف لا وهو الذي أنزل بك هذه البلوى ليمتحنك فكيف بك يا أخي إذا ما نزلت بك الشدة والكربة إلى من تدعو وتلجأ وإلى من يلهج اللسان؟ ألا يلهج إلى من ابتلاك وترجوه حتى يدفع عنك ما أنت عليه»؟وأردف بوغيث: «إذاً اعلم يا أخي أن الصلاة عون لك على الشدائد وحل العقد المعضلات فتستمد منها الصبر والقوة على العواقب، وبها تجمع ما بين الصبر الدعاء لتفريج الهموم مصداقا لقول الله تعالى ?... واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين?، فهي راحة لفكرك وراحة لجسمك ومن مشاغل الحياة وعناء الدهر، واعلم يا أخي إنك تحب الجنة وتكره أن تكون من أصحاب النار (نعوذ بالله منها) وتريد الابتعاد عن ارتكاب الذنوب والآثام والخطايا فالصلاة خير ملاذ لذلك فهي تنهاك عن إيتاء الفواحش والمنكر ?إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر? وأنت بحاجة إلى عزيمة وإرادة حتى تقيم صلاتك ومن ثم تتخلص من المداومة على الخطأ... أرأيت أيها الإنسان أن الله ما شرع لك شرعا إلا لصلاحك وإسعادك، فهل تنكر ذلك»؟وتابع موضحاً: «لو كنت تمشي بسيارتك بسرعة وخرجت عن الحدود المعقولة فأوقفك شرطي لأحسست بانقباض ولحسبت لذلك ألف حساب، ولو هددك صاحب سطوة أو نفوذ لما هدأ لك جفن ولانقطع ظهرك هلعاً ورعباً، فكيف يا أخي إذا ما توعدك المنتقم الجبار فأين تذهب وتروح ومن يحميك؟ يا أخي اعلم أنه لا منجى ولا ملجأ منه ومن غضبه إلا إليه واتباع أمره وإقامة صلاتك وإحسانها، فهل يا ترى سينجيك أسفك وبكاؤك إذا عاينت النار؟ وأي فائدة تدخرها لآخرتك في دنياك لمخافة أمر رب العباد وأي خسارة لحقتك إذ صليت وسجدت وركعت؟ وأيهما أحب إليك أن تكون مع السعداء في الجنة أم مع الأشقياء في النار؟ هل من إجابة تشفي الغليل وتروي الظمأ»؟وختم بوغيث: «الآن تغير الإبهام والاستفسار فصار لماذا لا نصلي؟ وما هي حجتنا التي سنقيمها أمام الملك القدوس؟، يا أخي قم الآن ولا تُسوف فما فاز من سّوف وأبعد عنك التسويف وأقم صلاتك وأحسنها وأحسن قيامها وركوعها وسجودها وقوي عزيمتك وإرادتك فأنت أمام مالك الملك مراقب حركاتك وأقوالك أفلا تستحي منه وأنت تعصيه وهو يراك؟، وإن كنت فعلا تجد مكاناً لا يراك فيه الواحد الأحد وأنت تزاول المعصية فاعصه، ولكن هيهات هيهات أنّى لك هذا وهو السميع العليم، أيها الإنسان الضعيف هذه كلماتي لك فعسى أن تخترق العقول والقلوب وتستقر فيها وتصير مستودعاً لا تخرج منه إذا كانت هذه الكلمات فعلا ستعين على شحذ الهمم».وفي السياق نفسه، أكد خبير الموسوعة الفقهية عضو هيئة الفتوى في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الأستاذ الدكتور أحمد الحجي الكردي أن الصلاة صلة بين العبد وربه، وما أجمل أن يوثق المسلم صلته بربه كل يوم، ثم في الصلاة رياضة بدنية مهمة يحتاجها كل إنسان يومياً، كما أن الصلاة لا تصح بغير طهارة من الأحداث والأنجاس، وما أجمل أن يكون المسلم نظيفاً من هذا كله يجدده كل يوم مرات ومرات بعدد الصلوات تقريبا، ثم الدليل الأخير والأهم هو أمر الله تعالى بها في قوله سبحانه «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا».