| دمشق من محمد الجاموس |
... وتستمر جولة ضيوف مهرجان طريق الحرير في دورته السابعة ليكتشف هؤلاء ان سورية متحف كبير يضم اكثر من 20 حضارة مختلفة ترسم بمجملها تاريخ الحضارة الانسانية وتحقق تنوعا قل نظيره على المستوى العالمي بنتها حضارات كثيرة ولدت على ارضها، ويسجل لسورية ان كثيرا من الابتكارات والاختراعات منها الزراعة والخلائط المعدنية وصناعة الفخار العادي والمزين واكتشاف الكتابة الاولى واول ابجدية في التاريخ واول مكتبة واللحن الاقدم في التاريخ.
كما عاشت سورية قدوم حضارات وفدت واستقرت وذابت في النسيج الحضاري الفريد الذي تميزت به ارضها التي حافظت للبشرية على اقدم مدينتين مأهولتين حتى اليوم في التاريخ...دمشق وحلب، محققة اختصار التاريخ في بلد واحد من زاره زار العالم.
تتميز الطبيعة في سورية بأنها متنوعة بشكل واضح من صحراء قاحلة وبادية وجبال وغابات وانهار ومغائر وكهوف وبحيرات طبيعية واصطناعية ومصايف بما يحقق تنوع الاثار والمدن القديمة بأسواقها وخاناتها وبيوتها القديمة وحرفها اليدوية وصناعاتها التقليدية منتجا سياحيا مركبا جاذبا وفريدا يجمع بين الزيارة ومشاهدة اشكال الحياة التاريخية واستعراض اشكال الفنون التقليدية وممارسة نشاطات سياحية جاذبة.
ان موقع سورية اكسبها اهتماما على خط تلاقي طرق التجارة العالمية ودورها التاريخي كنقطة تلاقي قوافل طريق الحرير القادمة من الشرق والغرب على ارضها والحاملة للتجار والشعراء والرحالة والمسافرين والموسيقيين ما اكسب شعبها تقاليد الضيافة وحرارة المحبة وحكمة الحوار وكرم العيش في امان وسلام.
من دمشق انطلقت الوفود الاعلامية المشاركة في المهرجان الى مدينة تدمر التاريخية عبر طريق صحراوي يصل بين المدينتين، وتمتع المشاركون برؤية اثارها المذهلة تروي الكثير عن عظمتها واصالتها.
ومهما اختزنت ذاكرتك من معلومات عن تدمر فسوف تكون زيارتك لها مفاجأة سعيدة، وستراها اشد سحرا واروع اثرا في نفسك مما توقعت، ولعلها اكثر الاماكن للتهيب والاعجاب بأثارها العربية، حيث اقيمت فيها عصارة فنون الشرق والغرب فأبدعت وتركتها للزمن مثار الاكبار والاعزاز ، معابد واقواس واعمدة ومسرح وقلعة عربية واسوار قديمة وتماثيل ومرافق ونقوش تفيض كلها روعة وجمالا.
لا تستطيع وانت ترى هذه الروائع إلا ان تعود بمخزون الذاكرة لديك الى ما تختزنه من معلومات عن حضارات تمتد الى قرون عديدة بدءا من الكنعانيين باعتبارهم اول من سكن تدمر، ثم الى الاراميين.
واول ما تحط قدماك في تدمر لا بقد ان تتذكر الملكة الاسطورة زنوبيا التي كانت بثقافتها الواسعة بمثابة مكتبة حية كما وصفها احد المؤرخين تفوق بحكمتها وحصافتها اقدر الرجال.
وكانت الملكة الاسطورة زنوبيا تمشي في مقدمة جندها رافعة الرأس طامحة الى تأسيس دولة عربية تمتد من النيل الى البوسفور، غير ان المدينة سقطت بعد معارك طاحنة مع الامبراطور الروماني اورليان في العام
273 م.
ونشأت تدمر اولا كتجمعات سكانية على شكل بيوت انتشرت منذ العصر الحجري الحديث حول نبع افقا الذي جمع بعض القبائل الكنعانية والارامية وقد اقاموا مع الزمن معبدا للاله (بل) الذي يعني السيد.
واعطى الاراميون المدينة اسم (تدمرتو) ومعناها الاعجوبة ولا يزال هذا الاسم يطلق عليها بلفظه العربي تدمرمنذ اربعة الاف سنة، اما الاغريق والرومان فقد اطلقوا عليها اسم بالميرا نسبة الى النخيل الذي يكثر في واحتها الواسعة.
وتفيد الوثائق التاريخية ان تدمر عاشت في بحبوحة مادية في القرنين الثاني والثالث كونها كانت ممرا وملتقى للطرق التي تصل بين الشرق والغرب، وكانت مركز تموين للقوافل التي كانت تنقل ثروات آسيا الى البحر الابيض المتوسط وما على شواطئه من ممالك تغص دائما بانفس البضائع التي يحملها تجار من شتى الاجناس والامصار.
وتمر الايام لينقلب الزمن على تدمر وعلى ملكتها السمراء الفاتنة، فإذا هي اليوم اطلال متناثرة بدأت تتخلى عن عزلتها لتستقبل آلاف الزائرين من كل انحاء المعمورة، وقد فتحها العرب المسلمون على يد خالد بن الوليد في عام 633 ميلادية.
آثار تدمر...
معبد بل
دلت الاكتشافات الاثرية في تدمر على وجود العديد من المعابد التي تعود الى الاف السنين ابرزها معبد بل الذي بني في القرن الاول الميلادي ويبلغ طول المعبد نحو 205 امتار وعرضه 210 امتار، يتوسطه هيكل ومذبح وزخرفته ذات طراز روماني، وكان يدخل اليه عن طريق سلم عريض يصعد منه الى رواق خارجي فيه ثمانية اعمدة وعلى جانبي الرواق يوجد برجان اما الباحة الداخلية فيمكن الدخول اليها من خلال ثلاثة ابواب ضخمة كانت من الذهب والبرونز ويحيط بالمعبد من الداخل اربعة اروقة، الرواق الغربي منها فيه 390 عمودا عاليا لم يبق قائما منها سوى سبعة اعمدة، وتحت هذه الاعمدة يمتد الدرج الذي كان يستخدم لتقديم الاضاحي، والاروقة الاخرى تنتصب مزدوجة وعلى اعمدتها حوامل ينصب تماثيل الرجال المشهورين فوقها، اما الحوض الذي اعد ليتطهر فيه الكهنة فقد اقيم في الباحة، وفي المعبد هيكل فيه محرابان يحتوي الشمالي منهما على تماثيل الآلهة التدمرية الثلاثة الكبرى وسقفه مؤلف من قبة واحدة مزدانة بصورالكواكب السبعة.
معبد بعلشمين
شيدمعبد بعلشمين عام 130 ميلادية على اسم إله الخصب والنماء وما زال محتفظا بحالته الاولى من حيث الروعة والذوق وهو يتألف من قاعة مستطيلة ورواق يرتكز سقفه على ستة اعمدة وقد انقلب هذا المعبد الى بازيليكا في العصر البيزنطي.
معبد نبو
تم اكتشاف معبد نبو في العام 1963 وهو معاصر لمعبد بل، وقد كرس هذا المعبد لعبادة الاله البابلي نبو بن مردوخ وكان كاتب الآلهة وامين سرها.
ولم يتبق من هذا المعبد سوى اقسام من أعمدة قائمة، وكان يحيط بالحرم رواق دون عمد.
المدافن
الى جانب المعابد توجد هناك مدافن وهي انواع منها مدافن الابراج والمدافن المنزلية ومدافن الاقبية المحفورة تحت الارض والقبور الفردية.
بالنسبة الى قبور الابراج يتجاوز عددها في تدمر مئة وخمسين متناثرة في وادي القبور على بعد قليل من تدمر وتعتبر نموذجا فذا للمدافن وابتكارا تدمريا محضا وهي مربعة الشكل ومؤلفة من ثلاثة او اربعة ادوار صممت في جدرانها غرف لتضم توابيت الموتى.
اما المدافن المنزلية فتتألف من باحة مربعة تحيط بها اروقة ذات اعمدة وقد حفرت في جدرانها تجاويف للتوابيت وبعضها مزدان بزخارف جميلة.
غير ان قبور الاقبية هي اروع المدافن واغناها بالنقوش والزخرفة ويتم الهبوط اليها بواسطة سلم حجري، وتتألف في الغالب من ردهة وثلاثة اواوين نقبت في جدرانها تجاويف كانت التوابيت توضع فيها ويسد بابها بتمثال الميت النصفي المنحوت وبعض الجدران والسقوف في تلك المدافن لا يزال محتفظا برسوم ملونة
بنقوش غاية في الابداع والفن وكان في بعضها تماثيل متقنة وفسيفساء رائعة نقل اكثرها الى متحفي تدمر ودمشق.
وفي المدينة العديد من الاوابد الاخرى مثل قلعة فخر الدين المعني وقصرالحير (80 كيلوا مترا الى الشرق من المدينة) وقصر الحير الغربي ، والبازيليك، نبع افقا والمسرح.
والى جانب ذلك كانت تدمر مركز تموين لقوافل الحرير وملتقى للطرق التي تصل بين الشرق والغرب ومركزا لتبادل التجار والصناعات مثل العطور والبهارات والعاج والزجاج والحرير.
وقد امضى المشاركون امسية جميلة في خيمة ضخمة خصصت لزوار المنطقة وتمتع الحضور بالدبكات الشعبية والرقصات الشبابية من تراث وتقاليد اهل تدمر والبادية السورية، ولوحظ اندفاع اعداد كبيرة من الاعلاميين والاعلاميات ضيوف المهرجان والمشاركة في الدبكات والرقصات الشعبية، في حين وجد اخرون الفرصة سانحة امامهم لتسجيل تلك المشاهد الرائعة بكاميرات الديجيتال الفردية وكاميرات محطات التلفزة.
كما استمتع ضيوف مهرجان طريق الحرير بتناول مالذ وطاب من اطباق المائدة السورية المشهورة عالميا يتقدمها المنسف السوري، وتم احضار سيدات وشابات من المنطقة لاعداد وتجهيز خبزالصاج والفرن في حين تولى رجال إعداد المقبلات والمشاوي، وكانت النجوم تتلألأ وسط السماء الصافية واضفت النسمات الهادئة مزيدا من الروعة على تلك الامسية التي كانت بحق واحدة من اجمل الليالي.
هذا بالاضافة الى مشاهدة عروض الباراموتور وعروض البالون الحراري الذي كان ينطلق مرتفعا رويدا رويدا مع اتجاه الهواء مضاء الى الفضاء الخارجي يضيء جانبا من عتمة الليل في مشهد بديع.
الرصافة
في الرصافة انت خارج العصرنة، حيث لامكان للتكنولوجيا او حتى ابسط الامور المعاصرة، هناك انت في حاضرة التاريخ ... في هذه المدينة لا تشتم رائحة ونسائم التاريخ فقط بل انت في عهدته، حيث كل صخرة وكل حجروضع في جدران كنيستها او مسجدها او القصور فيها يمكن ان يرشدك او يطلعك على صفحة في تاريخها.
ولاظهار حالة التعايش والتمازج في النسيج المجتمعي في سورية بما فيه من ديانات وطوائف يعكس كينونة هذا البلد كمهد للحضارات والديانات السماوية نظمت وزارة السياحة السورية ضمن مهرجانها طريق الحريراحتفالا دينيا كبيرا اقيم في كنيسة القديس سرجيوس في مدينة الرصافة الاثرية التابعة لمحافظة الرقة (الى الشمال من تدمر) بحضور محافظ الرقة احمد شحادة خليل ومعاون وزير السياحة مهند كلش، تحدث فيه رجال دين مسلمون ومسيحيون منهم الشيخ عمر قنبر خطيب وامام مسجد الفردوس في الرقة والمثروبوليت يوحنا جنبرت راعي ابرشية الروم الكاثوليك في حلب والاب نعمان رويق راعي كنائس الرقة والفرات، وتحدث هؤلاء عن روح التسامح الديني الذي يسود سورية عبر مسيرتها الحضارية الطويلة، منوهين بتجذر الاخاء والمحبة والعيش المشترك بين ابناء سورية، للتأكيد على ان سورية كانت ولا تزال جسرا للمحبة والسلام مستمدة من الحرير(نسبة الى طريق الحرير)تناسقه وتماسكه ليكون غطاء للامان والسلام والتواصل منوهين بأهمية احياء مثل هذه الطقوس التاريخية في مدينة الرصافة.
واستمتع الحضور بعد ذلك بما قدمته فرق نبع المحبة من حلب ويسوع الملك للكلدان في الحسكة وجوقة السالزيان لطائفة اللاتين وفرقة احمد بدور للتواشيح الدينية التي قدمت مجموعة من التراتيل والاناشيد الدينيةورقصة المولوية التي تجسد المعاني السامية لقيم الشهادة وبذل النفس في سبيل القيم الانسانية.
وتوج الحضوريتقدمهم رجال الدين الاسلامي والمسيحي هذه الاحتفالية بإقامة صلاة الغائب على ارواح الشهداء الابرار والقى الشيخ حسين الشمساوي كلمة تحدث فيها عن روح التعاون والإخاء بين الديانتين الاسلامية والمسيحية في سورية.
وتتموضع مدينة الرصافة على مساحة من الارض تبلغ 21 هكتاراوهي على شكل مستطيل ويحيط بها سور عرضه 3 م وطول الجدار الشمالي 536 م والشرقي 350 م والجنوبي 549 م والغربي 411 م ولها اربع بوابات رئيسية ويوجد فيها 51 برجا ذات اشكال مختلفة وتدعم تلك الاسوار من الداخل اعمدة ضخمة بنيت بحجارة كبيرة وتضم ايضا مباني مهمة مثل مبنى الشهيد (المارتيريوم) والشارع المستقيم اضافة الى وجود الكنيسة الكبرى كنيسة الصليب أو الشهداء وربما تضم رفاة القديس سرجيوس وصديقه باخوسوالى الجنوب منها هناك بناء يعود الى العصور الوسطى الاسلامية ذو قباب ومسجد وحمام خاص وخان وعرفت المدينة في العهد الروماني والبيزنطي باسم سيرجيوبولس، وقد بدأت المدينة الاهمية الاستراتيجية للمدينة في العصر الروماني لصد هجمات الفرس والبارثيين.
لكن تطورا كبيرا حدث بعد استشهاد سركيس (سيرجيوس) الضابط العربي في الجيش الروماني والذي اعد من القديسين وتحول الى قبره الى مزار، واجتمع خمسة عشر مطرانا وقرروا بناء كنيسة على اسم القديس سيرجيوس بعد ذلك خضعت المدينة الى نفوذ الغساسنة الذين شادوا الكثير من المباني وينسب الى الملك الحارث الثاني فضل ترميم الاسوار وتشييد الكاتدرائية الكبرى كما بنى ابنه المنذر خزانات المياه ودعم الاسوار وبلغت المدينة خلال القرن السادس الميلادي قمة الازدهار، وبعد الفتح الاسلامي شهدت الرصافة مرحلة ازدهار ثانية حيث بنى الخليفة هشام بن عبد الملك الرصافة وشيد فيها قصرين وعاشت في عهده المدينة اخر فترة ازدهار لها، وكانت محفلا للانشطة المتنوعة استقطبت كبار الشعراء وتوفي الخليفة ودفن فيها.
محمية الثورة البيئية
يبقى الطريق من الرصافة الى محمية الثورة البيئية صحراويا الى ان تظهر من بعيد ملامح الخضرة والاشجار لتبرز المحمية متكئة على كتف بحيرة سد الثورة مخلفة مناظر خلابة في كل الاتجاهات تضفي عليها زرقة مياه البحيرة جمالا آخاذا.
والى جانب جمالها بما تحويه من اشجار تحجب الرؤية واعداد كبيرة من الغزلان تتبارز المحمية مع قلعة جعبر في الطرف الاخر من البحيرة التي يمتد طولها الى نحو 80 كيلومترا وعرضها الى نحو 7 كيلومترات في اظهار المفاتن الطبيعية منها والصناعية.
وتشكل قلعة جعبر المعلم السياحي والاثري الابرز في تلك الواحة التي تدل على عراقة المنطقة واصالتها مؤكدين دورها في احياء السياحة البيئية، ويمكن الوصول الى القلعة من المحمية عبر قوارب ومراكب مائية في رحلة تستغرق نحو 20 دقيقة.
وللتعريف بعادات وتقاليد اهل المنطقة اقيم عرس فراتي في ساحة القلعة قدمته فرقة الرقة للفنون الشعبية بقيادة الفنان اسماعيل العجيلي تضمن طقوس العرس من اغان ودبكات شعبية اضافة الى بعض الرقصات والدبكات الشعبية والاغاني التراثية بمصاحبة الربابة والدف التي تعبر عن تقاليد وتراث منطقة الرقة ونهر الفرات.
وتتربع القلعة على هضبة كلسية هشة ويعود نسبها الى جعبر بن سابق القشيري الملقب سابق الدين، ويصل ارتفاع قمتها الى نحو 347 مترا فوق سطح البحر ويبلغ طولها 320 مترا وعرضها 170 مترا، ويحيط بها سوران ضخمان احدهما داخلي والاخر خارجي ولا يفصل بينهما سوى بضعة امتار تشكل ممرا بين السورين ويضمان اعدادا كبيرة من الابراج الدفاعية يزيد على الـ35 برجا، ويتوسطها مسجد لا تزال مئذنته شامخة حتى الان في اعلى نقطة مطلة على كل ما يحيط بها، كما انشئت مبان في الزاوية الجنوبية الغربية لعلها كانت مساكن وبيوت الاصحاب القلعة وامرائها.
حلب وقلعتها الشامخة
معروف عن الحلبيين انهم اهل كرم وضيافة اسوة بباقي سكان سورية، لكنهم يتميزون بسلوك ديبلوماسي عال في تعاملهم مع الزوار خصوصا اذا كانوا سياح عرب او اجانب.
واول ما يتبادر الى مسامعك اسم مدينة حلب لابد ان تقفز بك الذاكرة الى قلعتها الشامخة شموخ اهل المدينة عبر الاف السنين، والتي تعتبر من اهم الصروح الاسلامية العسكرية واكبر قلاع العالم واقدمها واجملها، وتمثل رمزا لماضي المدينة العظيم، ويعود شكلها الحالي الى فترة حكم الظاهر غازي الايوبي ، وطرازها فريد يجمع الصرامة والجمال وتضم ابراجا رائعة التصميم وتمتاز بمداخلها المتقنة وابوابها المصنوعة من الحديد ويحيط بها خندق عميق يزيد من منعتها.
ولعل معبد إله العاصفة المكتشف فيها حديثا يؤكد ان استخدام سطح الهضبة التي تعلوها القلعة يعود الى بداية الالف الثالث قبل الميلاد، ورغم ان معظم المنشآت المشاهدة فيها حاليا قد بنيت في الفترة الايوبية (القرنين 12 13الميلاديين) إلا ان القلعة تضم شواهد تعود الى الفترات التاريخية المتعددة تشمل الفترة اليونانية والرومانية والبيزنطية والزنكية والايوبية والمملوكية والعثمانية.
وتعد حلب من اهم المدن في تعداد خاناتها واسواقها التجارية وبحكم موقعها على تقاطع الطرق التجارية القديمة خصوصا طريق الحرير فإن اسواقها وخاناتها كانت مزدهرة جدا وما زالت هذه الاسواق والخانات مفعمة بالحياة والنشاط وتتميز بتنوعها وتخصصها، وابرز هذه الخانات خان الشونة الذي يحمل صفتين السوق والخان.
وكان هذا الخان تاريخيا تابعا للمدرسة الخسرفية او الخسروية المجاورة له وهي مدرسة لتعليم علوم الدين الاسلامي وتعود الى العهد العثماني (1548 م) وتأسس السوق كخان وكانت الخانات بشكل عام عبارة عن ابنية قديمة شيدت لأغراض التجارة والاقامة والسياحة معا وهي تشكل فنادق ذلك الزمان وتتـألف من طبقة ارضية فيها سوق تجاري واصطبلات لخيول المسافرين وطبقة علوية تضم غرفا للتجارة ولإقامة المسافرين والتجاروفي الوسط يوجد طبقة ارضية تضم غرفا ومحلات تجارية وصناعية، وقد تم تحويل خان الشونة الى سوق للمهن اليدوية بهدف احياء المهن القديمة المعبرة عن حضارة وتراث منطقتنا.
ويضم سوق المهن اليدوية 50 مهنة تراثية منها الطرق على النحاس والهباري والمصوغات الفضية وكسر الجفت والزجاج اليدوي والموزاييك وبساط الفل والملبوسات الشعبية ومطرزات الاغباني والفخاروالميزرالعجمي والخط العربي والتوابل والعطورات والصابون التي تمتاز بها مدينة حلب ورتي السجاد وخراطة الخشب والاراكيل والتطريز بالخرز والقش والخيزران وترميم الاواني النحاسية وحفر القوالب الخشبية وطبع الاقمشة، وهو سوق منظم ومهم لمجاورته لقلعة حلب التاريخية واستقطابه لأهم المهن اليدوية وهو مقصد السياح والزائرين.
جبلة
في الطريق من حلب الى اللاذقية على ساحل البحر الابيض المتوسط اختلف المشهد فتحولت المناظر من صحراء قاحلة الى جبال وتلال ووديان تكسوها الاشجار والمزروعات من كل جانب، حتى ان الحافلات امضت بركابها ساعات فوق السحاب معتلية الجبال والمرتفعات في مشهد مثير للدهشة والاعجاب.
واللاذقية كغيرها من المدن المتناثرة على ساحل شرقي البحر المتوسط فيها الفنادق والمنتجعات والاشجار المثمرة والمطاعم والمقاهي القديمة والحديثة منتشرة في كل مكان، لكن المدينة تميزها الاثار المكتشفة فيها.
مدينة جبلة احدى اجمل المدن التابعة لمحافظة اللاذقية وتطل على ساحل البحر المتوسط في مشهد بانورامي مدهش، ويحيط بالمدينة الاشجار المثمرة والبساتين، وهي تعود الى العصور الكنعانية وكانت مرفأ لمدينة سيانو، وكان يطلق على المدينة اسم غابالا في العصر اليوناني والروماني ثم حرف الاسم لتأخذ اسم جبلة وهو اسمها الحالي.
واهم اثار المدينة المدرج الكبير الذي بني في العصر البيزنطي بأمر من الامبراطور جوستنيان ثم اضيفت اليه فيما بعد القلعة، ويستوعب ما بين سبعة الى ثمانية الاف متفرج وينتصب المدرج فوق ارض منبسطة وترتكز على عقود، ويرتفع بالقرب من المسرح مئذنة مسجد وسلسلة من القباب البيضاء وهي ضريح السلطان الصوفي ابراهيم.
... وتستمر جولة ضيوف مهرجان طريق الحرير في دورته السابعة ليكتشف هؤلاء ان سورية متحف كبير يضم اكثر من 20 حضارة مختلفة ترسم بمجملها تاريخ الحضارة الانسانية وتحقق تنوعا قل نظيره على المستوى العالمي بنتها حضارات كثيرة ولدت على ارضها، ويسجل لسورية ان كثيرا من الابتكارات والاختراعات منها الزراعة والخلائط المعدنية وصناعة الفخار العادي والمزين واكتشاف الكتابة الاولى واول ابجدية في التاريخ واول مكتبة واللحن الاقدم في التاريخ.
كما عاشت سورية قدوم حضارات وفدت واستقرت وذابت في النسيج الحضاري الفريد الذي تميزت به ارضها التي حافظت للبشرية على اقدم مدينتين مأهولتين حتى اليوم في التاريخ...دمشق وحلب، محققة اختصار التاريخ في بلد واحد من زاره زار العالم.
تتميز الطبيعة في سورية بأنها متنوعة بشكل واضح من صحراء قاحلة وبادية وجبال وغابات وانهار ومغائر وكهوف وبحيرات طبيعية واصطناعية ومصايف بما يحقق تنوع الاثار والمدن القديمة بأسواقها وخاناتها وبيوتها القديمة وحرفها اليدوية وصناعاتها التقليدية منتجا سياحيا مركبا جاذبا وفريدا يجمع بين الزيارة ومشاهدة اشكال الحياة التاريخية واستعراض اشكال الفنون التقليدية وممارسة نشاطات سياحية جاذبة.
ان موقع سورية اكسبها اهتماما على خط تلاقي طرق التجارة العالمية ودورها التاريخي كنقطة تلاقي قوافل طريق الحرير القادمة من الشرق والغرب على ارضها والحاملة للتجار والشعراء والرحالة والمسافرين والموسيقيين ما اكسب شعبها تقاليد الضيافة وحرارة المحبة وحكمة الحوار وكرم العيش في امان وسلام.
من دمشق انطلقت الوفود الاعلامية المشاركة في المهرجان الى مدينة تدمر التاريخية عبر طريق صحراوي يصل بين المدينتين، وتمتع المشاركون برؤية اثارها المذهلة تروي الكثير عن عظمتها واصالتها.
ومهما اختزنت ذاكرتك من معلومات عن تدمر فسوف تكون زيارتك لها مفاجأة سعيدة، وستراها اشد سحرا واروع اثرا في نفسك مما توقعت، ولعلها اكثر الاماكن للتهيب والاعجاب بأثارها العربية، حيث اقيمت فيها عصارة فنون الشرق والغرب فأبدعت وتركتها للزمن مثار الاكبار والاعزاز ، معابد واقواس واعمدة ومسرح وقلعة عربية واسوار قديمة وتماثيل ومرافق ونقوش تفيض كلها روعة وجمالا.
لا تستطيع وانت ترى هذه الروائع إلا ان تعود بمخزون الذاكرة لديك الى ما تختزنه من معلومات عن حضارات تمتد الى قرون عديدة بدءا من الكنعانيين باعتبارهم اول من سكن تدمر، ثم الى الاراميين.
واول ما تحط قدماك في تدمر لا بقد ان تتذكر الملكة الاسطورة زنوبيا التي كانت بثقافتها الواسعة بمثابة مكتبة حية كما وصفها احد المؤرخين تفوق بحكمتها وحصافتها اقدر الرجال.
وكانت الملكة الاسطورة زنوبيا تمشي في مقدمة جندها رافعة الرأس طامحة الى تأسيس دولة عربية تمتد من النيل الى البوسفور، غير ان المدينة سقطت بعد معارك طاحنة مع الامبراطور الروماني اورليان في العام
273 م.
ونشأت تدمر اولا كتجمعات سكانية على شكل بيوت انتشرت منذ العصر الحجري الحديث حول نبع افقا الذي جمع بعض القبائل الكنعانية والارامية وقد اقاموا مع الزمن معبدا للاله (بل) الذي يعني السيد.
واعطى الاراميون المدينة اسم (تدمرتو) ومعناها الاعجوبة ولا يزال هذا الاسم يطلق عليها بلفظه العربي تدمرمنذ اربعة الاف سنة، اما الاغريق والرومان فقد اطلقوا عليها اسم بالميرا نسبة الى النخيل الذي يكثر في واحتها الواسعة.
وتفيد الوثائق التاريخية ان تدمر عاشت في بحبوحة مادية في القرنين الثاني والثالث كونها كانت ممرا وملتقى للطرق التي تصل بين الشرق والغرب، وكانت مركز تموين للقوافل التي كانت تنقل ثروات آسيا الى البحر الابيض المتوسط وما على شواطئه من ممالك تغص دائما بانفس البضائع التي يحملها تجار من شتى الاجناس والامصار.
وتمر الايام لينقلب الزمن على تدمر وعلى ملكتها السمراء الفاتنة، فإذا هي اليوم اطلال متناثرة بدأت تتخلى عن عزلتها لتستقبل آلاف الزائرين من كل انحاء المعمورة، وقد فتحها العرب المسلمون على يد خالد بن الوليد في عام 633 ميلادية.
آثار تدمر...
معبد بل
دلت الاكتشافات الاثرية في تدمر على وجود العديد من المعابد التي تعود الى الاف السنين ابرزها معبد بل الذي بني في القرن الاول الميلادي ويبلغ طول المعبد نحو 205 امتار وعرضه 210 امتار، يتوسطه هيكل ومذبح وزخرفته ذات طراز روماني، وكان يدخل اليه عن طريق سلم عريض يصعد منه الى رواق خارجي فيه ثمانية اعمدة وعلى جانبي الرواق يوجد برجان اما الباحة الداخلية فيمكن الدخول اليها من خلال ثلاثة ابواب ضخمة كانت من الذهب والبرونز ويحيط بالمعبد من الداخل اربعة اروقة، الرواق الغربي منها فيه 390 عمودا عاليا لم يبق قائما منها سوى سبعة اعمدة، وتحت هذه الاعمدة يمتد الدرج الذي كان يستخدم لتقديم الاضاحي، والاروقة الاخرى تنتصب مزدوجة وعلى اعمدتها حوامل ينصب تماثيل الرجال المشهورين فوقها، اما الحوض الذي اعد ليتطهر فيه الكهنة فقد اقيم في الباحة، وفي المعبد هيكل فيه محرابان يحتوي الشمالي منهما على تماثيل الآلهة التدمرية الثلاثة الكبرى وسقفه مؤلف من قبة واحدة مزدانة بصورالكواكب السبعة.
معبد بعلشمين
شيدمعبد بعلشمين عام 130 ميلادية على اسم إله الخصب والنماء وما زال محتفظا بحالته الاولى من حيث الروعة والذوق وهو يتألف من قاعة مستطيلة ورواق يرتكز سقفه على ستة اعمدة وقد انقلب هذا المعبد الى بازيليكا في العصر البيزنطي.
معبد نبو
تم اكتشاف معبد نبو في العام 1963 وهو معاصر لمعبد بل، وقد كرس هذا المعبد لعبادة الاله البابلي نبو بن مردوخ وكان كاتب الآلهة وامين سرها.
ولم يتبق من هذا المعبد سوى اقسام من أعمدة قائمة، وكان يحيط بالحرم رواق دون عمد.
المدافن
الى جانب المعابد توجد هناك مدافن وهي انواع منها مدافن الابراج والمدافن المنزلية ومدافن الاقبية المحفورة تحت الارض والقبور الفردية.
بالنسبة الى قبور الابراج يتجاوز عددها في تدمر مئة وخمسين متناثرة في وادي القبور على بعد قليل من تدمر وتعتبر نموذجا فذا للمدافن وابتكارا تدمريا محضا وهي مربعة الشكل ومؤلفة من ثلاثة او اربعة ادوار صممت في جدرانها غرف لتضم توابيت الموتى.
اما المدافن المنزلية فتتألف من باحة مربعة تحيط بها اروقة ذات اعمدة وقد حفرت في جدرانها تجاويف للتوابيت وبعضها مزدان بزخارف جميلة.
غير ان قبور الاقبية هي اروع المدافن واغناها بالنقوش والزخرفة ويتم الهبوط اليها بواسطة سلم حجري، وتتألف في الغالب من ردهة وثلاثة اواوين نقبت في جدرانها تجاويف كانت التوابيت توضع فيها ويسد بابها بتمثال الميت النصفي المنحوت وبعض الجدران والسقوف في تلك المدافن لا يزال محتفظا برسوم ملونة
بنقوش غاية في الابداع والفن وكان في بعضها تماثيل متقنة وفسيفساء رائعة نقل اكثرها الى متحفي تدمر ودمشق.
وفي المدينة العديد من الاوابد الاخرى مثل قلعة فخر الدين المعني وقصرالحير (80 كيلوا مترا الى الشرق من المدينة) وقصر الحير الغربي ، والبازيليك، نبع افقا والمسرح.
والى جانب ذلك كانت تدمر مركز تموين لقوافل الحرير وملتقى للطرق التي تصل بين الشرق والغرب ومركزا لتبادل التجار والصناعات مثل العطور والبهارات والعاج والزجاج والحرير.
وقد امضى المشاركون امسية جميلة في خيمة ضخمة خصصت لزوار المنطقة وتمتع الحضور بالدبكات الشعبية والرقصات الشبابية من تراث وتقاليد اهل تدمر والبادية السورية، ولوحظ اندفاع اعداد كبيرة من الاعلاميين والاعلاميات ضيوف المهرجان والمشاركة في الدبكات والرقصات الشعبية، في حين وجد اخرون الفرصة سانحة امامهم لتسجيل تلك المشاهد الرائعة بكاميرات الديجيتال الفردية وكاميرات محطات التلفزة.
كما استمتع ضيوف مهرجان طريق الحرير بتناول مالذ وطاب من اطباق المائدة السورية المشهورة عالميا يتقدمها المنسف السوري، وتم احضار سيدات وشابات من المنطقة لاعداد وتجهيز خبزالصاج والفرن في حين تولى رجال إعداد المقبلات والمشاوي، وكانت النجوم تتلألأ وسط السماء الصافية واضفت النسمات الهادئة مزيدا من الروعة على تلك الامسية التي كانت بحق واحدة من اجمل الليالي.
هذا بالاضافة الى مشاهدة عروض الباراموتور وعروض البالون الحراري الذي كان ينطلق مرتفعا رويدا رويدا مع اتجاه الهواء مضاء الى الفضاء الخارجي يضيء جانبا من عتمة الليل في مشهد بديع.
الرصافة
في الرصافة انت خارج العصرنة، حيث لامكان للتكنولوجيا او حتى ابسط الامور المعاصرة، هناك انت في حاضرة التاريخ ... في هذه المدينة لا تشتم رائحة ونسائم التاريخ فقط بل انت في عهدته، حيث كل صخرة وكل حجروضع في جدران كنيستها او مسجدها او القصور فيها يمكن ان يرشدك او يطلعك على صفحة في تاريخها.
ولاظهار حالة التعايش والتمازج في النسيج المجتمعي في سورية بما فيه من ديانات وطوائف يعكس كينونة هذا البلد كمهد للحضارات والديانات السماوية نظمت وزارة السياحة السورية ضمن مهرجانها طريق الحريراحتفالا دينيا كبيرا اقيم في كنيسة القديس سرجيوس في مدينة الرصافة الاثرية التابعة لمحافظة الرقة (الى الشمال من تدمر) بحضور محافظ الرقة احمد شحادة خليل ومعاون وزير السياحة مهند كلش، تحدث فيه رجال دين مسلمون ومسيحيون منهم الشيخ عمر قنبر خطيب وامام مسجد الفردوس في الرقة والمثروبوليت يوحنا جنبرت راعي ابرشية الروم الكاثوليك في حلب والاب نعمان رويق راعي كنائس الرقة والفرات، وتحدث هؤلاء عن روح التسامح الديني الذي يسود سورية عبر مسيرتها الحضارية الطويلة، منوهين بتجذر الاخاء والمحبة والعيش المشترك بين ابناء سورية، للتأكيد على ان سورية كانت ولا تزال جسرا للمحبة والسلام مستمدة من الحرير(نسبة الى طريق الحرير)تناسقه وتماسكه ليكون غطاء للامان والسلام والتواصل منوهين بأهمية احياء مثل هذه الطقوس التاريخية في مدينة الرصافة.
واستمتع الحضور بعد ذلك بما قدمته فرق نبع المحبة من حلب ويسوع الملك للكلدان في الحسكة وجوقة السالزيان لطائفة اللاتين وفرقة احمد بدور للتواشيح الدينية التي قدمت مجموعة من التراتيل والاناشيد الدينيةورقصة المولوية التي تجسد المعاني السامية لقيم الشهادة وبذل النفس في سبيل القيم الانسانية.
وتوج الحضوريتقدمهم رجال الدين الاسلامي والمسيحي هذه الاحتفالية بإقامة صلاة الغائب على ارواح الشهداء الابرار والقى الشيخ حسين الشمساوي كلمة تحدث فيها عن روح التعاون والإخاء بين الديانتين الاسلامية والمسيحية في سورية.
وتتموضع مدينة الرصافة على مساحة من الارض تبلغ 21 هكتاراوهي على شكل مستطيل ويحيط بها سور عرضه 3 م وطول الجدار الشمالي 536 م والشرقي 350 م والجنوبي 549 م والغربي 411 م ولها اربع بوابات رئيسية ويوجد فيها 51 برجا ذات اشكال مختلفة وتدعم تلك الاسوار من الداخل اعمدة ضخمة بنيت بحجارة كبيرة وتضم ايضا مباني مهمة مثل مبنى الشهيد (المارتيريوم) والشارع المستقيم اضافة الى وجود الكنيسة الكبرى كنيسة الصليب أو الشهداء وربما تضم رفاة القديس سرجيوس وصديقه باخوسوالى الجنوب منها هناك بناء يعود الى العصور الوسطى الاسلامية ذو قباب ومسجد وحمام خاص وخان وعرفت المدينة في العهد الروماني والبيزنطي باسم سيرجيوبولس، وقد بدأت المدينة الاهمية الاستراتيجية للمدينة في العصر الروماني لصد هجمات الفرس والبارثيين.
لكن تطورا كبيرا حدث بعد استشهاد سركيس (سيرجيوس) الضابط العربي في الجيش الروماني والذي اعد من القديسين وتحول الى قبره الى مزار، واجتمع خمسة عشر مطرانا وقرروا بناء كنيسة على اسم القديس سيرجيوس بعد ذلك خضعت المدينة الى نفوذ الغساسنة الذين شادوا الكثير من المباني وينسب الى الملك الحارث الثاني فضل ترميم الاسوار وتشييد الكاتدرائية الكبرى كما بنى ابنه المنذر خزانات المياه ودعم الاسوار وبلغت المدينة خلال القرن السادس الميلادي قمة الازدهار، وبعد الفتح الاسلامي شهدت الرصافة مرحلة ازدهار ثانية حيث بنى الخليفة هشام بن عبد الملك الرصافة وشيد فيها قصرين وعاشت في عهده المدينة اخر فترة ازدهار لها، وكانت محفلا للانشطة المتنوعة استقطبت كبار الشعراء وتوفي الخليفة ودفن فيها.
محمية الثورة البيئية
يبقى الطريق من الرصافة الى محمية الثورة البيئية صحراويا الى ان تظهر من بعيد ملامح الخضرة والاشجار لتبرز المحمية متكئة على كتف بحيرة سد الثورة مخلفة مناظر خلابة في كل الاتجاهات تضفي عليها زرقة مياه البحيرة جمالا آخاذا.
والى جانب جمالها بما تحويه من اشجار تحجب الرؤية واعداد كبيرة من الغزلان تتبارز المحمية مع قلعة جعبر في الطرف الاخر من البحيرة التي يمتد طولها الى نحو 80 كيلومترا وعرضها الى نحو 7 كيلومترات في اظهار المفاتن الطبيعية منها والصناعية.
وتشكل قلعة جعبر المعلم السياحي والاثري الابرز في تلك الواحة التي تدل على عراقة المنطقة واصالتها مؤكدين دورها في احياء السياحة البيئية، ويمكن الوصول الى القلعة من المحمية عبر قوارب ومراكب مائية في رحلة تستغرق نحو 20 دقيقة.
وللتعريف بعادات وتقاليد اهل المنطقة اقيم عرس فراتي في ساحة القلعة قدمته فرقة الرقة للفنون الشعبية بقيادة الفنان اسماعيل العجيلي تضمن طقوس العرس من اغان ودبكات شعبية اضافة الى بعض الرقصات والدبكات الشعبية والاغاني التراثية بمصاحبة الربابة والدف التي تعبر عن تقاليد وتراث منطقة الرقة ونهر الفرات.
وتتربع القلعة على هضبة كلسية هشة ويعود نسبها الى جعبر بن سابق القشيري الملقب سابق الدين، ويصل ارتفاع قمتها الى نحو 347 مترا فوق سطح البحر ويبلغ طولها 320 مترا وعرضها 170 مترا، ويحيط بها سوران ضخمان احدهما داخلي والاخر خارجي ولا يفصل بينهما سوى بضعة امتار تشكل ممرا بين السورين ويضمان اعدادا كبيرة من الابراج الدفاعية يزيد على الـ35 برجا، ويتوسطها مسجد لا تزال مئذنته شامخة حتى الان في اعلى نقطة مطلة على كل ما يحيط بها، كما انشئت مبان في الزاوية الجنوبية الغربية لعلها كانت مساكن وبيوت الاصحاب القلعة وامرائها.
حلب وقلعتها الشامخة
معروف عن الحلبيين انهم اهل كرم وضيافة اسوة بباقي سكان سورية، لكنهم يتميزون بسلوك ديبلوماسي عال في تعاملهم مع الزوار خصوصا اذا كانوا سياح عرب او اجانب.
واول ما يتبادر الى مسامعك اسم مدينة حلب لابد ان تقفز بك الذاكرة الى قلعتها الشامخة شموخ اهل المدينة عبر الاف السنين، والتي تعتبر من اهم الصروح الاسلامية العسكرية واكبر قلاع العالم واقدمها واجملها، وتمثل رمزا لماضي المدينة العظيم، ويعود شكلها الحالي الى فترة حكم الظاهر غازي الايوبي ، وطرازها فريد يجمع الصرامة والجمال وتضم ابراجا رائعة التصميم وتمتاز بمداخلها المتقنة وابوابها المصنوعة من الحديد ويحيط بها خندق عميق يزيد من منعتها.
ولعل معبد إله العاصفة المكتشف فيها حديثا يؤكد ان استخدام سطح الهضبة التي تعلوها القلعة يعود الى بداية الالف الثالث قبل الميلاد، ورغم ان معظم المنشآت المشاهدة فيها حاليا قد بنيت في الفترة الايوبية (القرنين 12 13الميلاديين) إلا ان القلعة تضم شواهد تعود الى الفترات التاريخية المتعددة تشمل الفترة اليونانية والرومانية والبيزنطية والزنكية والايوبية والمملوكية والعثمانية.
وتعد حلب من اهم المدن في تعداد خاناتها واسواقها التجارية وبحكم موقعها على تقاطع الطرق التجارية القديمة خصوصا طريق الحرير فإن اسواقها وخاناتها كانت مزدهرة جدا وما زالت هذه الاسواق والخانات مفعمة بالحياة والنشاط وتتميز بتنوعها وتخصصها، وابرز هذه الخانات خان الشونة الذي يحمل صفتين السوق والخان.
وكان هذا الخان تاريخيا تابعا للمدرسة الخسرفية او الخسروية المجاورة له وهي مدرسة لتعليم علوم الدين الاسلامي وتعود الى العهد العثماني (1548 م) وتأسس السوق كخان وكانت الخانات بشكل عام عبارة عن ابنية قديمة شيدت لأغراض التجارة والاقامة والسياحة معا وهي تشكل فنادق ذلك الزمان وتتـألف من طبقة ارضية فيها سوق تجاري واصطبلات لخيول المسافرين وطبقة علوية تضم غرفا للتجارة ولإقامة المسافرين والتجاروفي الوسط يوجد طبقة ارضية تضم غرفا ومحلات تجارية وصناعية، وقد تم تحويل خان الشونة الى سوق للمهن اليدوية بهدف احياء المهن القديمة المعبرة عن حضارة وتراث منطقتنا.
ويضم سوق المهن اليدوية 50 مهنة تراثية منها الطرق على النحاس والهباري والمصوغات الفضية وكسر الجفت والزجاج اليدوي والموزاييك وبساط الفل والملبوسات الشعبية ومطرزات الاغباني والفخاروالميزرالعجمي والخط العربي والتوابل والعطورات والصابون التي تمتاز بها مدينة حلب ورتي السجاد وخراطة الخشب والاراكيل والتطريز بالخرز والقش والخيزران وترميم الاواني النحاسية وحفر القوالب الخشبية وطبع الاقمشة، وهو سوق منظم ومهم لمجاورته لقلعة حلب التاريخية واستقطابه لأهم المهن اليدوية وهو مقصد السياح والزائرين.
جبلة
في الطريق من حلب الى اللاذقية على ساحل البحر الابيض المتوسط اختلف المشهد فتحولت المناظر من صحراء قاحلة الى جبال وتلال ووديان تكسوها الاشجار والمزروعات من كل جانب، حتى ان الحافلات امضت بركابها ساعات فوق السحاب معتلية الجبال والمرتفعات في مشهد مثير للدهشة والاعجاب.
واللاذقية كغيرها من المدن المتناثرة على ساحل شرقي البحر المتوسط فيها الفنادق والمنتجعات والاشجار المثمرة والمطاعم والمقاهي القديمة والحديثة منتشرة في كل مكان، لكن المدينة تميزها الاثار المكتشفة فيها.
مدينة جبلة احدى اجمل المدن التابعة لمحافظة اللاذقية وتطل على ساحل البحر المتوسط في مشهد بانورامي مدهش، ويحيط بالمدينة الاشجار المثمرة والبساتين، وهي تعود الى العصور الكنعانية وكانت مرفأ لمدينة سيانو، وكان يطلق على المدينة اسم غابالا في العصر اليوناني والروماني ثم حرف الاسم لتأخذ اسم جبلة وهو اسمها الحالي.
واهم اثار المدينة المدرج الكبير الذي بني في العصر البيزنطي بأمر من الامبراطور جوستنيان ثم اضيفت اليه فيما بعد القلعة، ويستوعب ما بين سبعة الى ثمانية الاف متفرج وينتصب المدرج فوق ارض منبسطة وترتكز على عقود، ويرتفع بالقرب من المسرح مئذنة مسجد وسلسلة من القباب البيضاء وهي ضريح السلطان الصوفي ابراهيم.