فاطمة عكاشة... شاعرة من صفاقس التونسية «بلاد الياسمين» تلك المدينة التي تحمل في تاريخها عبقا متميزا، وبعدا مهما... ليس فقط في تونس بل في العالم كله، ولعل أهم حدث عرفته المدينة هو احتضانها تظاهرة «صفاقس عاصمة الثقافة العربية» في العام الماضي.وعكاشة تكتب الشعر من منظوره الوجداني والعاطفي، وتساهم بالكلمة في تجميل ملامح الحياة التي اكتست - خلال هذه الفترة- بالكثير من الآلام والمعاناة، كما استطاعت أن تعبر عن أحاسيسها بالقصيدة، التي لم تخيب لها رجاء، فكانت نصيرها الذي اتخذته وسيلة للتعبير عن كل شيء يخطر على بالها. فعندما نتحدث عن صفاقس التونسية، فإن الصورة التي تطل علينا مباشرة هي صورة الشاعرة فاطمة عكاشة وكأن صفاقس وفاطمة وجهان لعملة واحدة.وشاعرتنا من مواليد 1973، درست اللغة العربية وآدابها، وحصلت على الأستاذية، كما شاركت بقصائدها في إثراء الساحة الشعرية، والانتصار للجمال في مواجهة القبح والظلام، وهي تؤكد دائما أنها ورثتُ توجّه والدها الذي يحفظ الشعر ويلقيه ويستشهد به، كما ترى أن الشاعرة في تونس هي شاعرة النص، تسطع بعض القصائد فتتألّق الأسماء ثم سرعان ما تختفي، وتفصح أن الشعر مغامرة تحبّ أن تعيشها وأن تتجدّد فيها، وأن الشاعر في تونس كالواقف على الجمر، والكثير من الرؤى والأحلام أفضت بها الشاعرة خلال هذا الحوار الذي نورد إليكم نصه:• نبدأ معك من بداياتك الأولى مع الشعر؟- نشأتُ في عائلة تقدّس الأدب وتشجع على المطالعة وحفظ القرآن والشعر ثمّ في المرحلة الثانويّة، تأبّطتُ ذراع القصيدة العموديّة حتّى أتشبّع بمبادئ الكتابة الإبداعيّة وأنهل من معينها ووجدت تشجيعا منقطع النظير من أساتذتي... كنت خلال السنوات الأولى أستحضر أصوات القدامى، وأنطلق في قوالب الموروث الشعري، ثم عدلْتُ فجأة فوجدتني أجدّف في بحر النّثر لكن أصداء البحور الخليليّة بقيت تلاحقني وتطرق بابي فكانت المرحلة هجينة.لقد أردتُ كتابة قصيدة تستمد إيقاعها من عزف داخلي يخرج بالنص من قيود الاستعمال إلى نزق الصوت الشعري المتفرّد المتمرّد على الحدّ فلا يخضع إلا لسيادة الحالة والإمكان، لكن رغم نزعة الذات إلى التجاوز والامتداد مضمونا فإنّ شكل قصيدتي بقي منجذبا إلى مدار قصيدة التفعيلة.• ما الأشياء الجميلة التي بقيت ملتصقة بذاكرتك؟- في كل ركن من أركان الذاكرة العمياء عرّشت شجيرة مخفية مضيئة ترفع هامتها من حين لآخر كي تعلن وجودها تأمّل معي طفلا تقطر البراءة من عينيه براءة أزلية، ذلك الطفل هو شقيقي، الذي خُلق عاجزا عن فهم الحياة. سائرا في منزلقاتها بغير هدى كنت أتألّم لألمه وأدوس على الجمر من أجل راحته، رغم أنني أخفق أحيانا في التخفيف عنه، حبي له كان يشغلني ويملأ حياتي ويمنحها معنى سماويا. ولعل ما يؤكّد جمال تلك المرحلة من حياتي توفيقي الذي لا يُفسّر ونجاحاتي التي لم أشقَ كثيرا لتحقيقها كأن ليس بين دعائه الصامت وبين الله واسطة قبل موته، عشتُ أوقاتا سعيدة. حصلتُ على العديد من الجوائز أبرزها فوز مجموعتي الشعرية الأولى «بذرة ضوء» بجائزة الطاهر الحدّاد وقد صدّرتها بإهدائه إياها، وقبل موته عرفت أصدقاء أخذوا بيدي وصنعوا لي إزارا أوسع من حجم جراحي.• كيف بدأت تكتبين الشعر؟ ولماذا الشعر وليس الرواية أو القصة أو المسرح؟- كان والدي يحفظ الشعر ويلقيه ويستشهد به، ولعلّني ورثتُ هذا التوجّه منه ولكنّني كتبتُ القصّة في بداياتي وما زلتُ أحتفظ بها ورسمتُ لوحات جميلة.ثم إنّ أشكالا غريبة من الجوع كانت تنبت في داخلي، وطاقة جبارة وأحاسيس جامحة قصُرتْ عن ترجمتها الفنون الأخرى ونجح الشعر في التخفيف من حدّتها وفي التعبير عن خوالجها، عندها أعلنت حاجتي إلى الشعر ورغبتي في الامتلاء به إنّه يتسلّل إلى مضاربي المتروكة ويفتح أبوابي الموصدة فنحترق معا في لحظة مفارقة كنجم يحترق ليضاء الكون.• من الشاعر التونسي الذي تأثرت به وكان تأثيره حاضرا في قصائدك؟- تونس مزدانة بالشعراء وأنا قرأت للكثيرين من القدامى والمعاصرين ولعل الذي شدّني ووجد في نفسي هوى هو الشاعر محمد الخالدي، هو بالنسبة إليّ أب روحيّ على أنّني شديدة الإعجاب بشعراء آخرين.• ما أهم الدواوين الشعرية التي أهديتها لمدينتك صفاقس؟ وهل يمكنك أن تتحفينا ببعض الأبيات من قصيدتك عن صفاقس؟- أنتمي إلى مدينة صفاقس فهي موطني ومسقط رأسي، ولكنّني أنتمي إلى وطن أكبر إلى وطن يئنّ ويتوجّع لذلك كتبتُ قصائد عن تونس الوحدة التي لا تتجزّأ ولا تتشظى، أما عن صفاقس فقد ذكرتها في مرثية عنوانها «الصّدع»..وأخي يهُشُّ أصابع الغرقىليطفوَ فوق سطح الماء ِ...قدْ غنّت له الحورية الفرعاءُتتلو فوق عرش عائمخُذ ما تريد فأنت ضيف عابرٌلا نارَ تهدي خطوَك المُعْوَجَّ...لا أمطار تطفئ ُما بصدرك من لهبْلا طير َ في الأرجاء يؤنس صمتكَ المشحون باللغة العييَّةِ... بالغضبْخذ ما تريد فأنت طيف حائرٌللموت أجراسٌ على شفتيك تـُقرعُ...مِلْء روحِك تـُجمع الأنـَّاتُ...والكائنات ُ تسوق قـُطعان المواجع في أراضيك الكئيبةِتصنع الهزَّاتُ من عينيك َ صدعا في الرمال ِيا أوّلَ الناجين من سَكرات موت قادم ٍ...يا أوّلَ الماشين في طرقات عدْن ٍ...أيّها الألـَق المخبـَّأ بين أفـْنية ِالمساجدِمن دم الشهداء تخرجُ طائرا كالنور في الشفق انتشرْ...أنت الفضيلة ُكلما ازدانت مواكبُها تطايَرَت الملائكُ حولهاوتناثرت من بين أيديك الدررْ...قالت بنات الليل في خجل:عرفناه....إذا مرّ استحال العشب ماسا...رأيْناهُ...رأينا قمَّة المبنى المزيّنِ بالمرايا قد تهاوَتْفانتظرناهُلـِيكبر بيننافنعود أبكارا كما كنّا... نعودُ...طفـْلٌ إذا جاء َاحتفت كل الحمائم بانسيابه كالنسائمِ...واحتفى الشعراء بالزيتونيزهر في حقول «صفاقس»احتفـَت المدائن بالبخورتصاعدت أنفاسُه فتعطـّرت طرقاتـُهانور الشوارع ينطفئْوتـُضاء أرجاء المدينة فجأة....الناس في شرفاتهم يتدافعونيتساءلونلا شيء أنذر بالنهايةعندما اشتعلتْ شجيرات الظـُّلـَمْوبدت قطوف الموت دانية ًعلى طبق الألمْ.• ما انطباعك عن الشعر النسائي في تونس؟- الشاعرة في تونس هي شاعرة النص، تسطع بعض القصائد فتتألّق الأسماء ثم سرعان ما تختفي، أو تتقوقع والأسباب كثيرة منها طبيعة المرأة الهشّة وواجباتها الاجتماعية. إضافة إلى عوامل أخرى محبطة، فقرّاء الشعر ينقرضون، والحوافز منعدمة، والنقد أيضا من المآزق التي يعاني منها الشعر النسائي في تونس فالبعض يكيل المديح كيلا لأسماء. تغزو الساحة الشعرية ونصوصها خواطر جاء نص السواد فيها محاكيا لشكل القصيدة، وهي تخلو من أبسط مقوّمات القول الشعري والمادح في الحقيقة يتعامل مع المرأة الأنثى، لا مع المرأة الشاعرة وفي ذلك اعتداء صارخ على الشعر والشاعرات الحقيقيات.ولكن في تونس أيضا تجارب ولدت ناضجة غوائية ملكت مفاتيح القلوب ومداخل العقول يندفع إليها القارئ فيبلغ من اللذة أقصاها.• كيف ترين مستقبل الشعر في تونس؟لقد فقد هذا الفنّ بريقه في تونس، وكسد سوقه فأصبحت ذبذبات القصيدة عائدة إلى مصدرها وصار الشاعر يكتب للشاعر في داخله، وهو كلّما عرّف بنفسه سمع صيحات الاستغراب ورأى نظرات الاستهزاء، رحم الله زمنا كانت فيه الكلمة سيّدة الموقف.الشاعر في تونس يلهث وراء قوت عياله، فهو يقتنص الوقت اقتناصا ويتحين الفرص للاختلاء بقلمه. وقد يباغته انثيال الشعر وهو غارق في اليومي فيؤجّله وتتبخر القصائد المؤجلة بتشتّت ذهن الشاعر وتأرجحه بين السّماء والأرض.الشاعر في تونس كالواقف على الجمر... يزرع بذرة الحياة في رحم الموت هو كالحبلى تنوء بحملها ولا تجد سبيلا إلى الخلاص... وأحسب أن هذا ينطبق على كل الشعراء أنّى وجدوا.وهنا يجدر بنا طرح السؤال: هل ستسترد الكلمة بريقها؟ لست متفائلة لأن الثقافة في تونس في الدرك الأسفل من اهتمام الحكومات المتعاقبة، فقد وضعتها بين يدي أناس يحتفون بالرداءة ويصنعون نجوما لا بريق لها لكن هذا لا ينفي محاولات الإنقاذ التي يقوم بها بعض الشعراء وهي محاولات فردية للتصدي لزحف الرداءة والانحطاط.• الشعر رسالة إنسانية، وأنت أستاذة فاطمة ما رسالتك للعالم؟- الشعر مغامرة أحبّ أن أعيشها وأن أتجدّد وأنا أخوضها، وأن أعبّر بصدق عن خوالج المرأة كإنسان غرست في نفسه شجرة الممنوع وطوّقت بأسلاك الحرام وتُوّج رأسها بالحدود. أريد للمرأة في داخلي أن تشرح ذاتها، أن تكشف للعالم وجهها المتمرّد الهارب من قيود الامتثال والتماثل إلى رحابة المتعدّد. لماذا نتّكئ دائما على الأشجار الضخمة، لماذا يُعبر الرجال عن نوازعنا ويرسمون للمرأة التي تشهوْها. المرأة الشاعرة في رأيي أقدر من الرجل على إضاءة أركانها المظلمة، ولكن عليها أن تسترد حرّيتها، وأن ترُدّ للصور عافيتها وقدرتها على الإدهاش وللغة آفاقها الدلالية الخصيبة.