ضمن لقاء تلفزيوني في احدى القنوات الفضائية الكويتية، بعد تسمية مسرح وزارة الاعلام في السالمية باسم أيقونة المسرح الخليجي الفنان الراحل عبدالحسين عبدالرضا، سئل الفنان الكبير سعد الفرج عن إمكانية تسمية أحد مراكز الفنون باسمه، فأجاب قائلاً «أنا أسمي شفته، اسمي موجود، شفته على مسرح عبدالحسين، اسم عبدالحسين عنا كلنا، فاسمي أنا شفته على مسرح عبدالحسين، لأن لمّا كرّم عبدالحسين احنا كلنا كرّمنا».وأنا أقول إذا كان تكريم بو عدنان عبدالحسين بتسمية مسرح باسمه، فإن بو بدر سعد يستحق التكريم بتسمية مدرسة باسمه، مدرسة تتبنى التعددية كمحور رئيس في مناهجها، وتعلم طلبتها كيفية تخطي حلقات الانتماء العائلي والعرقي والديني من أجل تعزيز النسيج الاجتماعي، وتدرّبهم على ذلك من خلال عرض مواقف حياتية ومنها العلاقة بين سعد وعبدالحسين.لا شك أن موقف بو بدر من تكريم بو عدنان تخطى حالة الإيثار بين زميلين جمعتهما علاقة مهنية وشخصية طويلة ومتينة، لأنه حدث في حقبة يعاني فيها مجتمعنا من توتر عرقي وطائفي مقنع بتصريحات وحدوية غير ملموسة على أرض الواقع. لذلك يعتبر هذا الموقف ممارسة عملية لمقولة «ماكو فرق بين سني وشيعي، ولا بين بدوي وحضري» التي يرددها كثيراً الوطنيون ومعهم الطائفيون والعنصريون.مدرسة الفنان سعد الفرج تتميز بمناهجها التي ترسخ الانفتاح الاجتماعي، لأنها تحرص على أن يطلع الطلبة على عقائد زملائهم في الوطن من مصادر حكومية موثوقة، وبذلك تقطع الطريق على رموز الفتن الطائفية من بث الكراهية بين أطياف المجتمع من خلال تشويه معتقدات الآخر. فعلى سبيل المثال، بو بدر لم يجد حرجا من لفظ اسم رفيق دربه عبدالحسين، في حين وجد البعض حرجا من ذلك فسماه حسين أو عبدالمحسن. والسبب ببساطة لأن بو بدر علم من بو عدنان أن من بين المسلمين الموحدين من يسمي ابنه عبدالحسين بنية أن يكون خادما لسبط النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - سيد الشهداء الحسين عليه السلام، وأن المقصود هو عبودية الرقيق والخدم لسيدهم وليس عبودية العابد لربه.المسؤولون في هذه المدرسة يعتقدون أن أفضل طريقة لمواجهة مشاريع الفتن الطائفية هي من خلال اقناع الطلبة بأن جميع الأطياف الإسلامية تتبع كتاب الله - وإن اختلفوا في فهم بعض آياته - وسنة نبيه وإن اختلفوا في طريق ثبوتها. مع حرصهم على الالتزام بحدود تثقيف الطلبة وتجنب الخوض في قضايا من شأنها تغيير عقيدة أحدهم. فالهدف هو نشر ثقافة الاختلاف التي تصون حق الافراد في حرية الاعتقاد وتوجب حماية حرية ممارسة الشعائر الدينية، ليس للمذاهب الإسلامية فقط، بل لجميع الأديان شريطة ألا تتعارض مع النظام العام والآداب في الدولة.لذلك لن تتفاجأ عندما ترى أن أعز أصدقاء الطالب عباس في مدرسة سعد الفرج هما عمر وعمانويل، ولن تستغرب عندما تجدهم يتجهون معا إلى مركز العبادة حيث تجد مصلى للسنة وآخر للشيعة بجانب قاعة مخصصة لتعبد المسيحيين. قد تجد فروقات في مساحة القاعات الثلاث بصورة متناسبة وعدد الرواد لكل منها، إلا أنها متطابقة في مستوى اللافتة، فلا تسمى إحداها بالعامة والأخريان بالخاصة لطائفة. وعند مدخل المركز تفترق أجسادهم ويتوجه كل منهم إلى القاعة المخصصة لطائفته، ولكن قلوبهم تبقى مترابطة. فيحرص عمر على قراءة صفحتين من القرآن الكريم بعد الانتهاء من صلاة الظهر، ليضاعف أجره عند الله، ولأنه يعلم أن عباس يجمع صلاتي الظهر والعصر، وكذلك يراعي عمانويل مدة الصلاتين. وبعد مغادرتهم المركز واللقاء مجددا، يتبادلون الدعاء لبعضهم البعض بقبول الأعمال.ثقافة التعددية كانت حاضرة في العديد من الاعمال الفنية التي قدمها سعد وعبدالحسين، مجتمعين أو منفصلين، ولكن روافد الاحتقان الطائفي والعرقي كانت غالبا هي الأنشط نظرا لتقاعس جهات الدولة المعنية بثقافة المجتمع عن دورها الدستوري في صون الحريات وكفالة الطمأنينة للمواطنين. بل إن بعض وسائل ومنابر الدولة المشكلة لثقافة المجتمع كانت توظف من قبل متطرفين لبث خطاب الكراهية وتأهيل المجتمع للمواجهة عندما يقرر رموز التطرف.بعض المحللين السياسيين لا يستبعد أن تتفاقم أزمة قطر بصورة قد تضر دول مجلس التعاون ومنها دولة الكويت. وهذا الخطر قد تضاعف أخيرا مع تزايد النشاط الطائفي في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت إشاعات متناقضة مفادها بأن المتوارين عن الأنظار من المحكومين في قضية «خلية العبدلي» قد هربوا بحرا إلى إيران، أو أنهم غادروا البلاد بجوازات سفر ديبلوماسية إيرانية. بل أن رموز الفتن حاولوا أن يوظفوا مرض بو عدنان ثم وفاته لتأجيج الفتنة والفرقة في مجتمعنا، إلا أن السحر انقلب على الساحر، وتوحد الكويتيون في عزائهم على فراق بو عدنان ورجموا رموز الفتنة. وعاد نسيجنا الوطني - في هذا العزاء - متماسكا كما كان في أزمة الغزو، وهذا ليس غريبا على بو عدنان الذي كرر علينا مراراً دعواته للحفاظ على وحدتنا الوطنية «وأن يكون ولاؤنا للكويت وبس»... «اللهم لقد علمنا بو عدنان كيف نتحد، وانتفعنا مما علمنا - في حياته وبعد مماته - فتقبله منه، إنك مجيب الدعوات».abdnakhi@yahoo.com