لا شك أن تصريح السفير الإماراتي في واشنطن حول أن بعض الدول العربية تريد أن ترى حكومات (علمانية) أو (مدنية) في الشرق الأوسط خلال السنوات العشر المقبلة، قد تسبب في جدل واسع على مستويات عدة.فهل تريد عزيزي القارئ لحكوماتنا أن تكون علمانية أم إسلامية؟وأستحلفك بالله أن تنتظر قليلاً قبل أن تجيب عن سؤال مثل هذا، خصوصاً أنه شبيه بسؤال آخر طرح علينا من قبل مثل هل تريد الأمن أم الحرية؟ سؤال اشترك في صياغته العلمانيون والإسلاميون على السواء.ما الذي نعنيه عندما نقول حكومة علمانية، وماذا نقصد بالتحديد عندما نردد أننا نريد حكومة إسلامية؟هل العلمانية هي أن ترتدي الحكومة ثياباً تبدي أكثر مما تستر؟ وهل الحكومة الإسلامية هي أن نتكلم بلهجة قريش وبني أسد ونشكل حكومة ترتدي فيها النساء العباءة والحجاب، ونطلق على المؤسسات المالية بيت مال المسلمين ونطلق على الداخلية وزارة الحسبة؟إذا كنت تعتقد أن الحكومات العلمانية ستذهب للجحيم، فهذا شأنك وأنت حر في رأيك، لأن المهم ألا تتحول حياتنا نحن إلى جحيم على الأرض. وإذا كنت تعتقد أن الحكومة الإسلامية ستأخذنا بسلاسل للجنة، فهذا شأنك وأنت حر.ما فائدة حكومة إسلامية ألبست شعبها العمائم (بما تعني العمائم من كلمة) بينما وعدتهم بالجنة في السماء. وما فائدة حكومة علمانية تدعي أنها بلا لون وتمسك العصا التي طرفاها العام والخاص من الوسط، ثم نكتشف أنها تخلط العام بالخاص، بل تدلل الخاص وترفع مقامه على العام... وتصبح القاعدة هي الاستثناء.لا شك أننا دخلنا مرحلة بائسة من تاريخنا الحديث غير المشرف، حيث أصبح نقاش مثل هل تفضل حكومة علمانية أم حكومة إسلامية ما هو إلا مجرد هراء نعلم جيداً أنه لن يتحقق على الصعيدين. فحكومات الشرق الأوسط لن ترعى الفضيلة ولا ستقف كذلك في المنتصف من أي حزب أو جهة... تماماً مثلما خيرنا من قبل بين الأمن والحرية. فلا نلنا الأمن ولا أخذنا الحرية.إنني أدعي أن توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية والحكمة في الإنفاق والمساواة في الفرص وكلمات ومفاهيم أخرى كثيرة يحب العقلاء ترديدها هي في الواقع موجودة كمشاكل وأزمات في دول إسلامية وأخرى علمانية.والحكومات العلمانية كانت طوال عمرها تقصي التيارات الإسلامية ولا تكلم إلا نفسها من خلال حياة مليئة بالترجمات والنقولات والفلاسفة، والحكومات الإسلامية تقصي التيارات الأخرى وتصبح أجندتها مرتكزة على قوس قزح والعراة في الشواطئ، بينما تنسى كل الطموحين للتنمية، والمثقف العلماني يستعدي وزارة الداخلية على المثقف الإسلامي بتهمة التطرف والمثقف الإسلامي يستعدي الجمهور على المثقف العلماني بتهمة ازدراء الأديان... كل ما في الأمر أنها جماعات تقصي بعضها البعض عندما تحين لهم الفرصة.تغيرت المفاهيم والسياقات يا سادة... فأخرجونا من هذه الدائرة المغلقة أو غيروا المسميات بدلاً من حالة الأسى هذه التي نعيشها.إن منحى ثورات 2011 جعلنا كشباب نراجع أيديولوجيات الماضي ونتائجها، وانفجرت معنا مفردة كونية أولى حيث لم تعد هناك نظرية سياسية قادرة على استيعاب مجموعة قيمنا المتعددة الجوانب والزاحفة من روافد شتى.إن القناعات السياسية للكثير من الشباب بعد ثورات الربيع العربي قد أخذت أشكالاً غير تقليدية، بل وأصبحت تتجه لنظريات سياسية غير مكتوبة في الكتب ولا نظر لها الفلاسفة. أما الدين، فيشكل جزءاً كبيراً من حياتهم وهويتهم ولن يسمحوا بأن يمسخ من خلال جماعات إسلامية تريد أن تحكم باسمه أو جماعات علمانية تريد إبعاده عن كل نواحي الحياة. أرجوكم، ابحثوا عن صيغة جديدة ومقاربة تخرجنا من هذا الهراء.قصة قصيرة:في مستشفى الطب النفسي، كان المرضى يصرخون: إننا نختنق... نختنق!الدكتور: أخرجوا كل المرضى من عنبر 7 فوراً.الممرض: الكاتب هائج جداً لا نستطيع الدخول!الدكتور: أعطوه ورقة وقلماً لعله يهدأ، ثم دعوه ينفخ في رماده!كاتب كويتيMoh1alatwan@