الحربُ تُهَشِمُ المبادئ الإنسانية وتنقلب الحياة في ظلها إلى سلسلة من مشاهد مُرعبة تكبرُ في ظلها المعاناة والبؤس، غير أن ما يخفف من آلام ناجمة من الحربِ هو الحب. كثيراً ما تولد قصص الحب وسط ركام الحرب مبشرة بأن الحياة مستمرة أياً كان حجم الأهوال وجشع الموت للمزيد من الضحايا. ضِفْ إلى ذلك، فإن مع الحب تطوى صفحة الخلافات الإثنية والدينية لأن المحبين ينجحون في إنشاء جغرافية جديدة تستوعب التنوع وتعطي بعداً جديداً للانتماءات الدينية.هذا الموضوع هو ما يعالجه الكاتب قربان سعيد في روايته الشهيرة «علي ونينو» الصادرة من دار الجمل 2016 إذ يُسردُ المؤلف قصة نشوء علاقة الحب بين شاب مسلم وفتاة مسيحية في مدينة باكو، وانطلاقاً من ذلك يصورُ التنوع في تلك البقعة الجغرافية والشعائر الدينية التي يواظبُ أتباعها على ممارستها، فضلاً عن تغطية التطورات التي تشهدها باكو، بعد اكتشاف النفط وما يتركه من التأثيرات على الجانب المعماري في المدينة. إضافة إلى ذلك فإن الكاتب لا يتوقف عند حاضر باكو، بل يحاول أن يضمن في عمله شذرات من تأريخها السحيق بحيثُ يكون ذلك في خدمة مناخُ الرواية من دون أن تتحول إلى عمل تاريخي، هكذا يكون للبنية المكانية دورُ بما تعاقب عليها من الوقائع والأحداث في انفتاح السرد على مراحل تاريخية وإبانة عن الصراعات التي أصبحت المناطق المتأرجحة بين الشرق والغرب مسرحاً لها، ومن هنا تبرزُ إشكالية الهوية الحضارية جزءاً من متواليات الحكاية.التحديالقبول بالآخر المختلف عقائدياً أمر لا يخلو من التحدي، إذ يتطلب ذلك الخروج من السياقات المُنغلقة واستيعاب رؤى مغايرة، غير أن الحب هو وعاء يؤطرُ هذه الخلافات والمعتقدات المتباينة، وهذه الحالة تتجسدُ في رواية «علي ونينو» في علاقة الحب القائمة بين شخصين ينتميان إلى ديانتين مختلفتين. فعلي كما يتضح من اسمه، هو شاب مسلم متحمس لهويته الآسيوية، وفي المقابل فإن حبيبته نينو، فتاة جورجية من أتباع الديانة المسيحية.هنا يقدمُ المؤلف صورة عن جذور الديانتين الإسلامية والمسيحية في باكو، مرفقة بالإشارة إلى الصدامات التي وقعت ضمن هذه المساحات الجغرافية الواقعة على حدود الحضارات، إذ يذكرُ الراوي حادثة مقتل زوج عمة نينو على يد الإيرانيين حين يقتحمون مدينة تبليسي (عاصمة جورجيا)، هاتفين بشعارات ذات دلالات دينية، لكن هذا الإرث الدموي لا يمنع نشوء علاقة عاطفية جياشة بين الاثنين، إذ يكون الحب بحجم التحدي لتاريخ يراق على أيامه الدمُ.بجانب ذلك، تردُ في سياق الرواية قصص فرعية سواء أكانت مستقاة من التراث الإسلامي أو المسيحي، كما يبدو أن الراوي حريص على إيجاد التوازن في وصف فضائين (باكو، تبليسي)، حيثُ يشرحُ طبوغرافيا الأولى ويصورُ تركيبتها الموزعة بين الأطراف والنواة والاختلافات الموجودة بين ساكني المنطقتين في طبيعة الحياة والسلوكيات. كما تتوقف عدسة الراوي عند بوابة زيزياناشفيلي نظراً لما يتصفُ به هذا الموقع من وظيفة إحالية إلى سلالة علي خان شريفانشير، وما لها من دورِ في حماية المدينة. كما يتحرى عن معالم تبليسي، ويذكر حكاية دير سانت ديفيد ومعجزة القديس ديفيد الذي اتهم بإقامة علاقة محرمة مع ابنة الملك، فالأخير يدعوه إلى القصر غير أن القديس ما أن يمس جسدها بالعصا حتى ينطق الجنين ويُفندَ كلام أمه، وهذا ما يُعيدنا إلى قصة النبي موسى.وبذلك يضم العملُ قصصا ومرويات شعبية ودينية وجملا مشحونة بالحِكَم. ومن ثمَّ يسهب الكاتبُ في وصف المكان ويضعُ المتلقي في جغرافيا باكو بحيثُ يذكرك شغف البطل بمدينته، بعشق رسول حمزاتوف لداغستان، إذ يتابع القارئ وصف المؤلف لمناظر طبيعية حيث يتحول إلى مشاهد يتمتع بصرياً بما هو معروض.خيانة الصديقتُعد ثيمة الحب والغرام عنصراً في معظم الأعمال الروائية ولكن لكل كاتب أسلوبه في معالجة هذا الموضوع وتوظيفه في تضفير الحلقات السردية، وتكمن قدرة الروائي في إضفاء بعد جديد لثيمات متداولة بحيثُ يبعدُ القارئ عن الشعور بالرتابة.إن ما يضيفُ التشويق إلى قصة الحب المُلتهبة بين علي ونينو، هو اختلاف الخلفيات الدينية لشخصيتين، كما أن اهتمامات المحبين المتباينة، إذ لا يتوانى علي عن إبداء إعجابه بآسيا بيد أن نينو مفتونة بالحضارة الغربية، تعطي القصة بعداً رمزياً، والأكثر من ذلك ما يضفي الخصوصية إلى حب علي ونينو هو عنصر المفارقة المتمثلة في سلوكيات شخصية ناتشاراريان صديق علي، فالأول أرمني يتكفل بإقناع أسرة نينو بأن تتزوج ابنتهم بمسلم، لكن من هذا المأمن يأتي الخطر، إذ يخطف ناتشاراريان، نينو، ويكون سيد مصطفى شاهدا على عملية الاختطاف. من هنا يشتدُ الصراع ولاسيما بعدما ينتقم علي لنفسه بقتل صديقه وإعادة نينو إلى أهلها، لكن الأخيرة تلتحق به إلى داغستان. وبهذا نكون أمام مفصل جديد من الأحداث إذ تتداخل العقدُ وتمرُ مدة قبل أن يعود علي إلى موطنه باكو، لكن ما يلبث أن يغادرها مع نينو مضطراً لأن يقيم في إيران بعد غزو الروس للمدينة.ما تراه نينو في إيران من طقوس دينية وما يكتنف عالم الحرملك من الخدم والفصل بين الرجال والنساء، يكشفُ جذور الاختلاف في الرؤية لدى أبناء الديانتين، بحيثُ تتفاجأ عندما تجدُ زوجها مشاركاً في مراسيم دينية. ينساب خيط السردِ على لسان راوٍ بضمير المتكلم متضمن في الرواية، وتبدأُ مرحلة جديدة في حياة كل من علي ونينو حال عودتهما إلى باكو، إذ تصبحُ المدينة جزءًا من دولة أذربيجان، ويصبح منزل علي خان مكاناً مفضلاً لاستضافة الأجانب وممثلي الدول الأوروبية.لا تنفصل حياة أسرة علي خان عن المُنعطفات التي تشهدها باكو، وبما إنَّ هذه المدينة تتأرجح أوضاعها نتيجة لتغير موازين القوة، لذلك تتعرض لهجمة من القوات الروسية بعد قيام ثورة أكتوبر، إذ ينفذ الروس حملة الإبادة في المدينة ضد موظفي الدولة وكل من يعارض الاحتلال. كما عاني المسلمون الأمرين بعد سقوط المدينة، ويتلقى علي خان خبر زحف الروس إلى باكو ومدن أخرى من صديقه إلياس بيغ عندما يكون الأول متواجداً في غاندشا، هنا يفي علي خان بوعده لأبيه بأن يكون محافظاً على مآثر أسرته ويطالبُ زوجته نينو بمغادرة مدينة تشاغا والذهاب إلى تبليسي بينما هو يقاوم ضد الغزاة إذ يُقتَلُ على الجسر الذي شهد مقتل جده.وإضافة إلى الشخصيتين الرئسيتين هناك شخصيات أخرى دورها مساند في النهوض بالسرد مثل السيد مصطفى، إلياس بيغ، ومحمد حيدر، كما توجد تلميحات في أعطاف الرواية إلى التحولات التي شهدتها تركيا وإيران بعد الحرب العالمية الأولى، هذا العمل الموزع على 29 قسماً أقرب في أسلوبه من روايات كلاسكية وأدب الرحلة. وأنت تنتهي من قراءة الرواية تستعيد ما قاله رسول حمزاتوف بأنه يوجد شيئان يستحقان التضحية من أجلهما: المرأة والوطن، إذ يضحي علي خان من أجل الاثنين.
محليات - ثقافة
رؤى نقدية
«علي ونينو»... مانفيستو الحب في زمن الحرب
04:26 م