سمعت عن الكثير من تضحيات الأطباء أبان الغزو البعثي للكويت، ومن بينهم عدد من الأحداث المرتبطة ببعض أقاربي ومعارفي، إلا أنني خصصت مقال اليوم لملحمة الدكتور حامد - بالرغم من عدم معرفتي الشخصية به - لأن قصته أيام الاحتلال لها أولوية على الأخريات التي اطلعت عليها.الدكتور حامد أحد الأطباء القليلين الذين صمدوا في الكويت واستمروا بأداء واجبهم الإنساني طوال فترة الاحتلال. وقد زاملته في تلك الفترة بمستشفى العدان زوجته طبيبة التخدير الوحيدة في المستشفى خلال الفترة الممتدة من شهر سبتمبر 1990 إلى يوم التحرير. ولذلك كانت - في بعض الفترات - تتابع خمس غرف عمليات بصورة متزامنة. وإلى جانب التزامهم بالمسؤوليات والمهام الطبية لساعات طويلة من دون إجازات، وتحملهم القلق والضغوط النفسية المرتبطة بانتشار جنود الاحتلال البعثي داخل وحول المستشفى، تعاون أطباء المستشفى مع الكادر الطبي المعاون في تهريب وإخفاء الأدوية القيمة وبعض المعدات الطبية في أسقف المستشفى، فضلا عن استمرارهم في علاج جرحى المقاومة وتزويدهم بالأدوية اللازمة سرا، معرضين بذلك حياتهم للخطر المحدق.خلال فترة الاحتلال الغاشم، سكن الدكتور حامد وزوجته وأبناؤه في سكن الأطباء الملحق بالمستشفى. وفي يوم السبت الموافق 9 فبراير 1991، أثناء عودة الدكتور وزوجته إلى مسكنهما، سقط صاروخا عند مدخل السكن، لتصيب شظايا منه عين وأنف الدكتور حامد وعين وكتف زوجته. في حين أن زوجته تعافت لاحقا من اصاباتها، اضطر الأطباء لإزالة عين الدكتور اليسرى وأنفه. ولكن الدكتور لم يستسلم لأزمته الصحية ولا النفسية، فاستأنف هو وزوجته العمل - بعد ثلاثة أيام فقط من تلقي العلاج - وباشرا اجراء عمليات جراحية طارئة من أجل إنقاذ مصابين، بل استقبل وعالج مرضى حالتهم ليست حرجة. واستمر الدكتور - وإلى جانبه زوجته دكتورة التخدير - في اجراء العمليات إلى أن حررت الكويت وجاءت بعثات من الجراحين من مختلف الدول الشقيقة والصديقة. حينها سلم الدكتور حامد أمانته ومرضاه إلى هؤلاء الجراحين، وعاد الى سريره بالمستشفى ليستكمل علاجه.بعد فحص الدكتور حامد، قررت لجنة طبية اميركية ضرورة ايفاده إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج الفوري من أجل تنظيف تجويف عينه وتركيب عين صناعية له وترميم أنفه. وبالفعل وفرت له ولأسرته طائرة عسكرية نقلتهم إلى المملكة العربية السعودية، ومنها سافروا إلى مدينة نيويورك، حيث أجريت له عمليات جراحية عدة على يد الدكتور جوزيف مكارثي أستاذ جراحة التجميل في جامعة نيويورك.أثناء تواجده في الولايات المتحدة، تعاطف معه الأطباء والإعلام الأميركي، ونشرت قصته الإنسانية في العديد من الصحف الأميركية، ولاحقاً في عدد من الصحف العربية. من أعظم ما لفت انتباهي في تلك التغطيات الصحافية، تأكيده أنه لو عاد به الزمن إلى يوم الغزو لالتزم مرة أخرى بمهنته الإنسانية وان كان يعلم بأنه سيفقد إحدى عينيه وأنفه. ومن جهة أخرى سجل العديد من الأطباء اعجابهم بإنسانية ومهنية الدكتور حامد، وكان من بين أبرز التصريحات بحقه، ما جاء على لسان الدكتور ديفيد ريد - من مستشفى ستامفورد - حيث قال ان الدكتور حامد التزم وتحمل أعلى تقاليد مهنة الطب وضغوطها.بعد فترة علاج امتدت إلى ما يقارب السنة في الولايات المتحدة، رجع الدكتور حامد وأسرته إلى الكويت، وأصر على الاستمرار في ممارسة مهنته الإنسانية حتى يومنا هذا، فأجرى الكثير من العمليات، ودرّب العديد من الجراحين المبتدئين، من بينهم عدد من الجراحين البارزين اليوم. والمتدربين بين يديه يميزونه بحرصه على نقل معارفه ومهاراته إليهم، ومرضاه يرون فيه طبيبا متواضعا مهتما بمتابعة علاجهم.صحيح أن سرد سيرة الدكتور حامد خلال فترة الغزو قد يؤثر ايجابا في المجتمع فينمي فيه الولاء للعمل ويعزز فيه المبادئ الإنسانية، إلا أن ذلك ليس الهدف الرئيس لمقالي. الغرض من هذا المقال هو مناشدة نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الشيخ خالد الجراح أن يعرض منح الجنسية الكويتية للدكتور حامد أمام مجلس الوزراء، نظير خدماته الجليلة لدولة الكويت في أحلك ظروفها أبان الغزو البربري. نعم الدكتور حامد مصري الجنسية، وحرصت على عدم ذكر جنسيته، لكي يتم تقييم وطنيته للكويت بتجرد. وأنا على يقين أنك ستفتخر به زميلا لك في المواطنة، تماما كما تفتخر بوطنية وانسانية الدكتور الكويتي عادل عبدالرزاق الذي فقد ذراعه في ذات القصف الصاروخي.تجنيس الدكتور حامد مطلب وطني، لأن تجنيسه سيساهم في تقويم مفهوم الوطنية في المجتمع الكويتي، خاصة إذا تعلم أبناؤنا في المدراس - من قصة الدكتورين حامد وعادل على سبيل المثال - كيف هي مواطنة العطاء والتضحية، وإذا انتقلت الحكومة من مرحلة تعزيز المواطنة بالأناشيد إلى مرحلة ترسيخها بالممارسات التي تصون ثوابتنا الإنسانية الوطنية... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com