هل يمكن الرهان على تغيير داخل «حزب الله» يقوده إلى اتخاذ موقف عادل من لبنان واللبنانيين... أم أن مثل هذا الرهان مجرد حلم ليلة صيف؟ يصعب الرهان على الحزب. لذلك، من الباكر القول ان هناك نية حقيقية في المصالحة، بعد اللقاء الذي جمع قبل أيّام رئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري بالأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله. لم تكن المصالحة في صلب اللقاء الذي أشاع أجواء إيجابية بين اللبنانيين، الذين يؤمنون بأن ثقافة الحياة هي الأقوى، وأن لبنان لا يمكن إلا أن يكون منحازاً لهذه الثقافة، وليس بالطبع لثقافة الموت التي ينادي بها الحزب وأدواته المحلية، أي ما يعتبر أدوات لدى الأدوات من نوع النائب ميشال عون الذي يحاضر بالعفة معتقداً أن اللبنانيين أغبياء... في مستوى نوابه، ووزرائه، ومن يرفعون الشارات البرتقالية.
في النهاية ما سيحدد هل ستكون هناك مصالحة أم لا في مرحلة لاحقة هو الموقف من بيروت ولبنان، ومن الاستمرار في الاحتلال المقنّع للعاصمة. بيروت أهينت. أهل بيروت تعرضوا لأبشع أنواع الانتهاكات في السابع والثامن من مايو الماضي. من هذا المنطلق، تظل اللقاءات والحوارات، من أي نوع كانت، مفيدة، خصوصاً في حال كانت ستساعد «حزب الله» في فهم أنه يخوض حرباً خاسرة على بيروت، وأهل بيروت، وعلى اللبنانيين من كل الطوائف والمذاهب. وما قد يكون أهم من ذلك استيعاب الحزب، الذي ليس في النهاية سوى ميليشيا مسلحة تابعة لـ «الحرس الثوري الإيراني»، أن عليه التوقف عن استكمال الحرب الإسرائيلية على لبنان عن طريق تدمير بيروت، والعيش المشترك في المدينة، تمهيداً للسيطرة على لبنان لمصلحة قوى خارجية تريد التحكّم به. بيروت تتسع للجميع لكنها ترفض لغة السلاح، وأولئك الذين يؤمنون بأن السلاح هو علة وجودهم، ووسيلتهم للسيطرة على أحياء العاصمة، وإذلال أهلها.
من المفيد دائماً أن يتذكّر «حزب الله» أن لبنان ضحية، وأن عليه التوقف عن لعب دور الأداة في تكريسه «ساحة» للمحور الإيراني- السوري الذي لا يتطلع سوى إلى استخدام الوطن الصغير ورقة في مساومات مع الإسرائيليين والأميركيين، من أجل التوصل إلى صفقة معهما على حساب اللبنانيين لا أكثر. ليس كافياً أن تكون إيران النظام صارت صاحبة اليد الطولى في لبنان على حساب النظام السوري، كي تسهل استباحة بيروت. بيروت قاومت في الماضي وستقاوم في المستقبل. لن يستطيع أحد تركيع بيروت، المدينة التي صمدت في وجه أرييل شارون، وكل من حاول احتلالها وإخضاعها. بكلام أوضح، يفترض في «حزب الله»، الذي من دونه لا أدوات سورية وإيرانية ذات شأن في لبنان، الاقتناع بأن المصالحة مطلوبة اليوم قبل غد، خصوصاً أن عناصر الحزب لبنانية وهي ليست في حاجة إلى شهادة من أي نوع كان، أو من أي طرف كان. لكن لا معنى للمصالحة في أي وقت من الأوقات من دون موقف واضح من بيروت، ومما يدور على الأرض اللبنانية. من دون هذا الموقف الواضح، سيعتبر اللبنانيون أن كل ما جرى، حتى الآن، مناورات لا هدف لها سوى تمرير الوقت وابتلاع بيروت شيئاً فشيئاً بعد الفشل في ابتلاعها دفعة واحدة في السابع والثامن من مايو الماضي، وقبل ذلك في الثالث والعشرين والخامس والعشرين من يناير 2007، وما تلى ذلك من احتلال لوسط المدينة لضرب الحياة فيها.
هناك فرصة أمام «حزب الله» ليثبت ولو لمرة واحدة أن لبنان يهمه حقاً، وأن لديه موقفاً من أي طرف أو جهة تتطاول على لبنان وتسعى إلى إعادة الوضع فيه إلى خلف، إلى أيام غابرة قدّم فيها اللبنانيون بلدهم قرباناً على مذبح التخاذل العربي، فقبلوا مرغمين بـ «اتفاق القاهرة» بعدما انقسموا تجاهه. كان الاتفاق من أكبر الجرائم التي ترتكب في حق الوطن الصغير وأهله، وأهل الجنوب تحديداً. وليس صدفة أن يتصرف النظام السوري هذه الأيام في سياق تبريره لوجود قواعد عسكرية فلسطينية مسلحة في الأراضي اللبنانية من منطلق أن «اتفاق القاهرة» يشرّع وجود مثل هذه القواعد. هذا الكلام مرفوض، أولاً لأن مجلس النواب اللبناني ألغى «اتفاق القاهرة» الذي فرض على البلد فرضاً. حصل ذلك في عهد الرئيس أمين الجميل. كذلك، أن هذا الكلام الذي ورد في رسالة وجهها المندوب السوري لدى الأمم المتحدة إلى رئيس مجلس الأمن، والأمين العام للمنظمة الدولية، مرفوض لأن القواعد الفلسطينية الموجودة في الأراضي اللبنانية تابعة للأجهزة السورية لا أكثر ولا أقلّ. وجود هذه القواعد يؤكد أن النظام السوري يرفض تنفيذ القرار «الرقم 1559» الذي سحب بموجبه قواته من الأراضي اللبنانية تنفيذا كاملاً. انها حقاً فرصة أمام الحزب كي يغيّر اللبنانيون وأهل بيروت رأيهم فيه. هل يستطيع الإقدام على مثل هذه الخطوة أم أن الرهان على مثل هذا التطور لا معنى له وليس وارداً أصلاً؟
لا شك أن إقدام «حزب الله» على خطوة في اتجاه تأكيد رفضه المقولة السورية في شأن «اتفاق القاهرة» سيعيد إليه الاعتبار لبنانياً من جهة، كما سيظهر أنه ليس على استعداد للعب الدور الذي كانت تلعبه المنظمات الفلسطينية المسلحة على الأراضي اللبنانية... وهو دور صبّ في كل وقت في مصلحة تخريب الوضع اللبناني وضرب الاستقرار، وتبرير التدخل السوري في البلد. هذا التدخل الذي توج في العام 1976 بإعطاء هنري كيسينجر الضوء الأخضر الأميركي، بموافقة إسرائيلية، على دخول الجيش السوري إلى لبنان بهدف وضع اليد على قوات «منظمة التحرير الفلسطينية». التاريخ يعيد نفسه، مع فارق أن لبنانيين تابعين لإيران يلعبون هذه المرة الدور الذي كانت تلعبه المنظمات الفلسطينية في الماضي بالاعتماد على «اتفاق القاهرة». ليظهر «حزب الله» بالملموس أن هذا الكلام ليس صحيحاً. يكفيه اتخاذ موقف من الإعلان السوري القائل ان «اتفاق القاهرة» حي يرزق، وأنه لا يسعى إلى تكريس ما هو أسوأ من «اتفاق القاهرة» على مستقبل البلد وبنيه كي يصبح الرهان على الحزب ممكناً، وكي يكون هناك رهان على مصالحات حقيقية بين اللبنانيين!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
في النهاية ما سيحدد هل ستكون هناك مصالحة أم لا في مرحلة لاحقة هو الموقف من بيروت ولبنان، ومن الاستمرار في الاحتلال المقنّع للعاصمة. بيروت أهينت. أهل بيروت تعرضوا لأبشع أنواع الانتهاكات في السابع والثامن من مايو الماضي. من هذا المنطلق، تظل اللقاءات والحوارات، من أي نوع كانت، مفيدة، خصوصاً في حال كانت ستساعد «حزب الله» في فهم أنه يخوض حرباً خاسرة على بيروت، وأهل بيروت، وعلى اللبنانيين من كل الطوائف والمذاهب. وما قد يكون أهم من ذلك استيعاب الحزب، الذي ليس في النهاية سوى ميليشيا مسلحة تابعة لـ «الحرس الثوري الإيراني»، أن عليه التوقف عن استكمال الحرب الإسرائيلية على لبنان عن طريق تدمير بيروت، والعيش المشترك في المدينة، تمهيداً للسيطرة على لبنان لمصلحة قوى خارجية تريد التحكّم به. بيروت تتسع للجميع لكنها ترفض لغة السلاح، وأولئك الذين يؤمنون بأن السلاح هو علة وجودهم، ووسيلتهم للسيطرة على أحياء العاصمة، وإذلال أهلها.
من المفيد دائماً أن يتذكّر «حزب الله» أن لبنان ضحية، وأن عليه التوقف عن لعب دور الأداة في تكريسه «ساحة» للمحور الإيراني- السوري الذي لا يتطلع سوى إلى استخدام الوطن الصغير ورقة في مساومات مع الإسرائيليين والأميركيين، من أجل التوصل إلى صفقة معهما على حساب اللبنانيين لا أكثر. ليس كافياً أن تكون إيران النظام صارت صاحبة اليد الطولى في لبنان على حساب النظام السوري، كي تسهل استباحة بيروت. بيروت قاومت في الماضي وستقاوم في المستقبل. لن يستطيع أحد تركيع بيروت، المدينة التي صمدت في وجه أرييل شارون، وكل من حاول احتلالها وإخضاعها. بكلام أوضح، يفترض في «حزب الله»، الذي من دونه لا أدوات سورية وإيرانية ذات شأن في لبنان، الاقتناع بأن المصالحة مطلوبة اليوم قبل غد، خصوصاً أن عناصر الحزب لبنانية وهي ليست في حاجة إلى شهادة من أي نوع كان، أو من أي طرف كان. لكن لا معنى للمصالحة في أي وقت من الأوقات من دون موقف واضح من بيروت، ومما يدور على الأرض اللبنانية. من دون هذا الموقف الواضح، سيعتبر اللبنانيون أن كل ما جرى، حتى الآن، مناورات لا هدف لها سوى تمرير الوقت وابتلاع بيروت شيئاً فشيئاً بعد الفشل في ابتلاعها دفعة واحدة في السابع والثامن من مايو الماضي، وقبل ذلك في الثالث والعشرين والخامس والعشرين من يناير 2007، وما تلى ذلك من احتلال لوسط المدينة لضرب الحياة فيها.
هناك فرصة أمام «حزب الله» ليثبت ولو لمرة واحدة أن لبنان يهمه حقاً، وأن لديه موقفاً من أي طرف أو جهة تتطاول على لبنان وتسعى إلى إعادة الوضع فيه إلى خلف، إلى أيام غابرة قدّم فيها اللبنانيون بلدهم قرباناً على مذبح التخاذل العربي، فقبلوا مرغمين بـ «اتفاق القاهرة» بعدما انقسموا تجاهه. كان الاتفاق من أكبر الجرائم التي ترتكب في حق الوطن الصغير وأهله، وأهل الجنوب تحديداً. وليس صدفة أن يتصرف النظام السوري هذه الأيام في سياق تبريره لوجود قواعد عسكرية فلسطينية مسلحة في الأراضي اللبنانية من منطلق أن «اتفاق القاهرة» يشرّع وجود مثل هذه القواعد. هذا الكلام مرفوض، أولاً لأن مجلس النواب اللبناني ألغى «اتفاق القاهرة» الذي فرض على البلد فرضاً. حصل ذلك في عهد الرئيس أمين الجميل. كذلك، أن هذا الكلام الذي ورد في رسالة وجهها المندوب السوري لدى الأمم المتحدة إلى رئيس مجلس الأمن، والأمين العام للمنظمة الدولية، مرفوض لأن القواعد الفلسطينية الموجودة في الأراضي اللبنانية تابعة للأجهزة السورية لا أكثر ولا أقلّ. وجود هذه القواعد يؤكد أن النظام السوري يرفض تنفيذ القرار «الرقم 1559» الذي سحب بموجبه قواته من الأراضي اللبنانية تنفيذا كاملاً. انها حقاً فرصة أمام الحزب كي يغيّر اللبنانيون وأهل بيروت رأيهم فيه. هل يستطيع الإقدام على مثل هذه الخطوة أم أن الرهان على مثل هذا التطور لا معنى له وليس وارداً أصلاً؟
لا شك أن إقدام «حزب الله» على خطوة في اتجاه تأكيد رفضه المقولة السورية في شأن «اتفاق القاهرة» سيعيد إليه الاعتبار لبنانياً من جهة، كما سيظهر أنه ليس على استعداد للعب الدور الذي كانت تلعبه المنظمات الفلسطينية المسلحة على الأراضي اللبنانية... وهو دور صبّ في كل وقت في مصلحة تخريب الوضع اللبناني وضرب الاستقرار، وتبرير التدخل السوري في البلد. هذا التدخل الذي توج في العام 1976 بإعطاء هنري كيسينجر الضوء الأخضر الأميركي، بموافقة إسرائيلية، على دخول الجيش السوري إلى لبنان بهدف وضع اليد على قوات «منظمة التحرير الفلسطينية». التاريخ يعيد نفسه، مع فارق أن لبنانيين تابعين لإيران يلعبون هذه المرة الدور الذي كانت تلعبه المنظمات الفلسطينية في الماضي بالاعتماد على «اتفاق القاهرة». ليظهر «حزب الله» بالملموس أن هذا الكلام ليس صحيحاً. يكفيه اتخاذ موقف من الإعلان السوري القائل ان «اتفاق القاهرة» حي يرزق، وأنه لا يسعى إلى تكريس ما هو أسوأ من «اتفاق القاهرة» على مستقبل البلد وبنيه كي يصبح الرهان على الحزب ممكناً، وكي يكون هناك رهان على مصالحات حقيقية بين اللبنانيين!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن