رأيت فى ما يرى اليقظان أنه قد وصلتني دعوة كتب فيها:أرجو من سيادتكم كموظفين وعاملين أن تتوقفوا حالاً عن جميع أعمالكم التي تمارسونها الآن وترفعوا أيديكم عن كل الأشغال التي تحتها، ولنستثنِ من ذلك قطاع البترول ومكاتب الاستثمارات في الخارج... فقط من أجل ضمان أن تكون رواتبنا في البنك.والسبب في ذلك أننا سنجري حلقة نقاشية كبرى على طاولة مستديرة بحجم الوطن في آخر يوم من رمضان لنتساءل ماذا يحدث؟ونعدكم أن تدار الورشة بطريقة احترافية تساعدنا على الخروج بتوصيات تلتف حول ثلاثة محاور مهمة ستدور حولها الأسئلة المكثفة بكثافة اسبريسو قادرة على إيقاظ وطن.لذلك ليسمح لي الطيبون الذين يعملون على استقبال مرضى الحوادث والطوارئ في أي مستشفى حكومي أن يتوقفوا حالاً عن العمل، لأن الأرقام التي على الشاشة المعلقة على بابكم تشير إلى ظاهرة انفجار لن ينفع معها العلاج.ليتوقف المهندسون المسؤولون عن بناء البنية التحتية والجسور وليأتوا إلى الطاولة إذا سمحوا! ليأتِ شرطي المرور لأن الشارع غالباً أصبح يسير بدعاء الوالدين، والسادة أعضاء المجلس والوزراء والوكلاء والمحافظون والمسؤولون عن الشباب والعجزة والمعاقون ليتفضلوا معنا، وليتفضل السادة مديرو التحرير والكتاب والمثقفون والخبراء الدستوريون، وأصحاب الصالونات الثقافية وأئمة المساجد ومدراء القطاع الخاص... وأنت بالتأكيد عزيزي القارئ مدعو لذلك.ولننصب أكبر مائدة نقاشية على مستوى الوطن متجاوزين عن بند الضيافة هذه المرة فقط بحيث يتخلل النقاش ما لذّ وطاب من فطور رمضاني يكفي الجميع، وبعد الإفطار نصلي التراويح جماعة واحدة وعلى قلب رجل واحد ثم نجلس.ثم رأيت فيما يرى اليقظان أيضاً أن الورشة صارت بهذا الشكل:- الأخ اللي هناك ممكن تعرفنا بنفسك؟- لا والله أخوي اسمحلي...أنا مستمع فقط.- طيب الأخ اللي هناك اللي رافع ايده... إي نعم أنت... تفضل.يقف رجل ثلاثيني كلا حاجبيه شنب ويقول بصوت جهور:- بصراحة أنا شايف إن هناك تفرقة، في أسامي موجودة وفي أسامي لم تتم دعوتها!- يا سيدي الكويت كلها هنا، ولم يغب عن الحضور سوى القطاع النفطي.يقف أحدهم وهو يشير بيده بطريقة استهزائية:- واشمعنا القطاع النفطي مو كافي ميزاتهم؟يرد ثالث:- منو هذا... أهل الكويت ما فيهم هالحسد والغل!وهنا يقف عضو مجلس أمة قائلاً:- الأخ اللي يقول أهل الكويت... شنو قصدك؟تخرج الهواتف استعداداً للتصوير، ويقف بقية الأعضاء استعداداً للتصريح، وتظهر هشتاقات في تويتر، وكل هذا بلمح البصر.- يا إخوان عيب... إحنا اليوم نبي نناقش ثلاثة محاور رئيسة تتعلق بهذا الوطن. يقول أحد المدعوين.يلتفت أحد الوزراء إلى أحد الوكلاء المساعدين قائلاً:- منو هذا اللي يتكلم؟- طال عمرك ما أعرفه... بس شكله مو كويتي!يعم الهدوء والاستقرار النسبي حول المائدة، وكأن طعام الإفطار بدأ للتو ينتشر في أجساد الحضور. يقف رجل بدا على هيئته الهيبة والوقار بشخصية أشبه بشخصية الدوق، ثم قال:- في البداية أود أن أشكر المنظمين لهذه الحلقة النقاشية، وشكراً لكل أهل الكويت الذين حضروا، ونحن ما جئنا اليوم إلا حباً في هذا الوطن الذي أعطانا الكثير، وقد حان الوقت لكي يكون العطاء منا...يقاطعه صوت نسائي حاد كاحتكاك زجاج:- لن نسمح بمس جيب المواطن... شوفوا التجار، وخذوا منهم.وهنا يظهر شاب من أولئك المتطوعين على ترتيب المائدة وهو يرتدي «تيشيرت» كتب عليه (مبادرة اليوم الواحد) ثم أردف قائلاً وقد قاطع كل الحضور وكأنه سيلقي بياناً:- ياجماعة فيه أحد يبي يشرب شيء؟يصاب الحاضرون بدهشة لحظية من هذه المداخلة.يرد مسؤول شبابي وهو يتأفف موجها كلامه للمنظمين:- لقد حشرتمونا في ورشة كبرى يشارك فيها هذا الكم من السكان لترتيب الإرث الوطني، ولكننا لا نجد إلا الانتقاد فقط! أين المحاور الثلاثة؟يبدأ البعض بالانصراف بينما يبدي البعض الآخر تململه... ينظر المنظمون لبعضهم، وكأنهم فقدوا السيطرة تماماً على مجرى الورشة وحالهم كحال بحار تحطمت سفينته في منطقة متنازع عليها حدودياً، ولكن حدث عارض تدخل وأنقذ الموقف وجعل الجميع يجتمع بسرعة... ولولا هذا العارض لكانت الحلقة النقاشية فشلت فشلاً ذريعاً.وهو أن إحدى الفتيات صرخت بكل ما أوتيت من قوة:- صورة سيلفي جماعية لو سمحتوا...خلال اليومين القادمين سننشر الصورة الجماعية والتي بدا فيها الجميع مبتسماً ومحباً وودوداً إلى أقصى درجة، وسنكتب أسفل الصورة:صورة تذكارية تعبر عن (...)، وكان هذا في الحلقة النقاشية التي بعنوان(...)،وقد خرجوا من المؤتمر بـ (...).أكمل الفراغات عزيزي القارئ وسأرسل إجاباتك إلى جريدة «الراي» الغراء.كاتب كويتيmoh1alatwan@
مقالات
خواطر صعلوك
سريالية صائم آخر يوم!
02:06 م