أسهمت إستراتيجية المنتجين التي جاءت في أعقاب هبوط أسعار النفط بشكل متسارع في النصف الثاني من عام 2014، في استعادة توازن السوق من دون تدخلات لتنظيم وتقييد المعروض، وجاءت ثمرة تلك الإستراتيجية تقييد إنتاج النفط الصخري، والذي سجل انخفاضاً خلال تلك الفترة بحيث كانت الأجواء تتسم في التنافس وعدم ضمان أجواء أريحية بالنسبة للاستثمار في نشاط الحفر في الولايات المتحدة الأميركية.وانخفض إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام من 9.6 مليون برميل يومياً في شهر أبريل 2015 إلى 8.7 مليون برميل يوميا في شهر يوليو 2016، بانخفاض قدره 900 ألف برميل يومياً، وهذا يعتبر انجاز بالنسبة لمخرجات تلك الإستراتيجية باعتبار معطيات السوق.لكن هذه الإستراتيجية لم تحقق هدف استعادة توازن أسواق النفط، والسبب في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى أجواء التنافس والتسابق لرفع الإنتاج من داخل وخارج «أوبك»، وهو ما أسهم في رفع المخزون النفطي إلى مستويات غير مسبوقة، وهبوط أسعار النفط لمستويات متدنية لم يشهدها منذ سنوات، خصوصاً وأنه تزامن مع رفع الحظر عن مبيعات النفط من إيران في حينه، وشجعت هذه الظروف تشكيل تحالف مكون من 24 دولة من المنتجين والتوصل لاتفاق الجزائر لاستعادة توازن السوق النفطية.وارتفع إنتاج «أوبك» من 30.1 مليون برميل يومياً في شهر يناير 2014 إلى 33.3 مليون برميل يومياً في شهر نوفمبر 2016، بارتفاع قدره 3.2 مليون برميل يومياً، وهو ارتفاع كبير نسبياً رغم أن له ما يبرره، لكنه في نهاية المطاف أسهم في اختلال أسواق النفط واستمرار هبوط أسعار النفط.كانت انطلاقة اتفاق تعديل الإنتاج الحالي بين «أوبك» والمنتجين والمستقلين من الجزائر في 28 أكتوبر 2016، وبلغ متوسط سعر نفط خام الإشارة برنت حينها نحو 45.2 دولار للبرميل، والذي بموجبه تم تحديد نطاق السقف الإنتاجي لـ «أوبك» في إطار إستراتيجية جديدة تستهدف استعادة توازن أسواق النفط.وبدأت مرحلة تعافي أسعار النفط وسط الأجواء الإيجابية التي وفرها اتفاق تعديل الإنتاج في السوق وبلغت الذروة في مستويات الأسعار في 21 فبراير الماضي عند 56.3 دولار للبرميل.وهناك توافق بان التوازن في أسواق النفط قد بدأ فعليا ولكن بوتيرة أقل من التوقعات، وأن المخزون النفطي في انخفاض، ويتوقع البعض ومنهم وزير الطاقة السعودي المهندس خالد الفالح، أن السوق النفطية ستشهد سحوبات كبيرة من المخزون النفطي.ويتفق البيت الاستشاري «انرجي سيكيورتي اناليسس»، و«بيرا» على أن أسعار النفط الحالية بين 45 و50 دولاراً للبرميل مشجعة لاستمرار نشاط الحفر في الولايات المتحدة الأميركية.ويتوقع البيت الاستشاري «بيرا»أن تكون الزيادة السنوية للإنتاج الأميركي من النفط خلال عام 2017، بمقدار 550 ألف برميل يومياً، في حين توقع «سيرا» أن تكون بمقدار 500 ألف برميل يومياً، و«انرجي سيكيورتي اناليسس» بمقدار 423 ألف برميل يومياً.أما خلال عام 2018، فيتوقع «بيرا» أن تكون الزيادة السنوية للإنتاج الأميركي من النفط بمقدار 1.050 مليون برميل يوميا، في حين يتوقع «سيرا» أن تكون بمقدار 700 ألف برميل يومياً، و«انرجي سيكيورتي اناليسس» بمقدار 500 ألف برميل يوميا، وهي في جملتها تؤشر على ارتفاع الإنتاج بمعدلات أكبر مما كانت عليه في عام 2017، لتزيد الضغوط على أسعار النفط، وتمثل تحدياً أمام اتفاق «أوبك».ويتساءل كثيرون عن سبب تأخر تأثير اتفاق تعديل الإنتاج وتباطؤ وتيرة استعادة توازن الأسواق، ويمكن أن نعزوا ذلك لأمور:1- رغم تسجيل الالتزام بالاتفاق نسب عالية تقترب من 100 في المئة على مدار الأشهر التي دخل الاتفاق فيها حيز التنفيذ إلا أن صادرات «أوبك» للسوق الأميركية سجلت ارتفاعاً أوجد حال من القلق في أسواق النفط، حيث هبطت صادرات المنظمة للسوق الأميركية من 3.6 مليون برميل يومياً في شهر يناير 2017 الى 3.2 مليون برميل يوميا في شهر فبراير 2017، ثم ارتفعت إلى 3.4 مليون برميل يوميا في شهر مارس الماضي.2 - تعافي إنتاج النفط في عدد من دول «أوبك» مع تحسن نسبي في الأوضاع الجيوسياسية، وتشمل ليبيا ونيجيريا، حيث عاودت نيجيريا إنتاج النفط الخام إلى مستويات الإنتاج السابق في شهر أكتوبر 2016، عند 1.6 مليون برميل يومياً، ومن المؤمل أن يرتفع الإنتاج إلى 1.8 مليون برميل يومياً بحلول شهر أغسطس 2017. وتقدر بعض المصادر ارتفاع انتاج النفط في ليبيا إلى 900 ألف برميل يومياً بعد عودة الإنتاج من حقلي الشرارة وأبو طفيل.3- استمرار تعافي الإنتاج الأميركي من النفط.4- استمرار ارتفاع المخزون النفطي الأميركي عن متوسط السنوات الخمس الماضية.كما أن «الكونتانغو» في أسعار نفط خام الإشارة «برنت» يعكس اختلال ميزان السوق والزيادة في المعروض، وتعافي إنتاج النفط الخفيف الفائق النوعية سواء من ليبيا والجزائر والولايات المتحدة الأميركية قد يجعل استهداف التحول «للباكورديشين» تطور يلاقي تحديات كبيرة إلى حين توازن السوق، حيث يعاني السوق من تخمة نسبية في النفوط الخفيفة الفائقة النوعية الشبيهة بنوعية نفط خام الإشارة «برنت» وهذا أمر يجب التنبه له.ولكن «الباكورديشين» في أسعار نفط خام الإشارة «دبي» يعكس أمرين، الأول أن اتفاق تعديل إنتاج النفط جعل النقص يتركز في النفوط المتوسطة والثقيلة، و الأمر الآخر أن طاقة التكرير في آسيا حالياً خصوصا الجديدة منها هي أصلاً لتكرير النفوط المتوسطة والثقيلة، ولذلك فإن هذا الوضع يؤكد حالة التوازن بشكل نسبي وتعافي الطلب على تلك النوعية من النفوط في أسواق آسيا.ويجعل أسعار النفط الخليجية لأسواق آسيا غالية وغير جذابة للمصافي مقارنة مع أسعار النفوط الخفيفة، ولكن قدرات هذه المصافي لتكرير النفوط الخفيفة مقيدة لأنها تمتلك قدرات تكسيرية وتحويلية عالية لتحويل النفوط المتوسطة والثقيلة إلى منتجات ذات قيمة عالية في أسواق النفط.* خبير ومحلل نفطي