إن تفاضل الأعمال عند الله تعالى: بتفاضل ما في القُلوب من الإيمان والإخلاص والمحبَّة وتوابعها، وهذا العمل الكامل: هُو الذي يُكفر السَّيِّئات تكفيراً كاملاً، والنَّاقص بحسبه.ويالله العجب؛ فليت العبد إذا أتى بهذه المُكفِّرات كُلِّها: أن تُكفِّر عنه سيئاته باجتماع بعضها إلى بعضٍ، فعملٌ شملته الغفلة -أو لأكثره-؛ وفقد الإخلاص الذي هُو رُوحه؛ ولم يوف الله حقَّه ولم يقدره حقَّ قدره: فأيُّ شيءٍ يُكفِّر هذا؟وليس الشَّأن في العمل، إنَّما الشَّأن في حفظ العمل ممَّا يُفسده ويُحبطه، فالرِّياء -وإن دقَّ- مُحبطٌ للعمل، وكون العمل غير مُقيَّدٍ باتِّباع السُّنَّة أيضاً مُوجبٌ لكونه باطلاً، والمنُّ به على الله تعالى بقلبه مُفسدٌ له.وأكثر النَّاس ما عندهم خبرٌ من السَّيِّئات التي تُحبط الحسنات، وقد قال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ?.فحذَّر المُؤمنين من حُبوط أعمالهم بالجهر لرسول الله ? كما يجهر بعضهم لبعضٍ، وليس هذا بردَّةٍ؛ بل معصيةٌ تُحبط العمل: وصاحبها لا يشعر بها، فما الظنُّ بمن يرفع على قول الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وهدية وطريقه: قول غيره وهديه وطريقه؟ أليس هذا قد حبط عمله وهو لا يشعر؟فمعرفة ما يُفسد الأعمال في حال وُقوعها ويُبطلها ويُحبطها بعد وقوعها: من أهمِّ ما ينبغي أن يُفتِّش عليه العبد؛ ويحرص على علمه؛ ويحذره، فإنَّ الحسنات والسَّيِّئات: تتدافع وتتقابل؛ ويكون الحُكْم فيها للغالب؛ وهُو يقهر المغلوب ويكون الحُكم له، فإذا غلبت على العبد الحسنات: رفعت حسناته الكثيرة سيِّئاته، ومتى تاب من السَّيِّئة: ترتَّبت على توبته منها حسناتٌ كثيرةٌ قد تربى وتزيد على الحسنة التي حبطت بالسَّيِّئة، فإذا عزمت التَّوبة وصحَّت؛ ونشأت من صميم القلب: أحرقت ما مرَّت عليه من السَّيِّئات؛ حتَّى كأنَّها لم تكن، فإنَّ التَّائب من الذَّنب: لا ذنب له.فهكذا إذا تاب العبد توبة نصوحاً صادقة خالصة: أحرقت ما كان قبلها من السَّيِّئات؛ وأعادت عليه ثواب حسناته.يُوضِّح هذا: أنَّ السَّيِّئات هي أمراضٌ قلبيَّةٌ؛ كما أنَّ الحُمَّى والأوجاع أمراضٌ بدنيَّةٌ، والمريض إذا عُوفي من مرضه عافية تامَّة: عادت إليه قُوَّته وأفضل منها؛ حتَّى كأنَّه لم يضعف قطُّ، فالقُوَّة المُتقدِّمة: بمنزلة الحسنات، والمرض: بمنزلة الذُّنوب، والصِّحَّة والعافية: بمنزلة التَّوبة سواءٌ بسواءٍ.وكما أنَّ من المرضى: من لا تعود إليه صحَّته أبداً؛ لضعف عافيته، ومنهم: من تعود صحَّته كما كانت؛ لتُقاوم الأسباب وتُدافعها ويعود البدن إلى كماله الأوَّل، ومنهم: من يعود أصحَّ ممَّا كان وأقوى وأنشط؛ لقوَّة أسباب العافية وقهرها وغلبتها لأسباب الضَّعف والمرض؛ حتَّى رُبَّما كان مرض هذا سبباً لعافيته، كما قال المُتنبِّي:لعلَّ عتبك محمودُ عواقبهورُبَّما صحَّت الأجسام بالعللفهكذا العبد بعد التَّوبة على هذه المنازل الثَّلاث، والله المُوفِّق لا إله غيره؛ ولا ربَّ سواه.اللَّهُمَّ إنَّا نسألك من الخير كُلِّه؛ عاجله وآجله؛ ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشَّرِّ كُلِّه؛ عاجله وآجله؛ ما علمنا منه وما لم نعلم، اللَّهُمَّ إنَّا نسألك من خير ما سألك عبدك ونبيُّك ?، ونعوذ بك من شرِّ ما عاذ به عبدك ونبيُّك ?، اللَّهُمَّ إنَّا نسألك الجنَّة؛ وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ، ونعوذ بك من النَّار؛ وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ.اللَّهُمَّ صلِّ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّدٍ، كما صلَّيت على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، وبارك على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّد، كما باركت على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، في العالمين، إنك حميدٌ مجيدٌ.* أُستاذ الشَّريعة والدِّراسات الإسلاميَّة بجامعة الكويتإمـام وخطيب المسجد الكبير بدولة الكويتw-alali@hotmail.com