«توكلي على الله... الخيارات أمامك ليست كثيرة، وإن شاء الله يكون أفضل من غيره»، هذا ما قالته أمي، رحمها الله، لتلك الضيفة التي كانت تزورنا بشكل متقطع ثم تختفي بالشهور أو الأعوام أحياناً لتبقى في ذاكرة طفل يصبح أكبر وأكبر بعد كل آخر زيارة.هذه المرة كانت تريد أن تستشير في زواجها الرابع... وكانت تزداد جمالاً، بعينيها وخصلات شعرها التي فرت دون قصد من حجاب ترتديه بحرص، ولكن حتى شعرها اعتبرني طفلاً لم يميز بعد!كانت تنظر لي بوجه باسم مليء بالتعابير الانفعالية التي تقول سراً: «يكفيني الذئاب الكبار أيها الصغير... أشح بوجهك عني».كنت أنظر لها وكأني أحدق في الشمس، تلك الشمس التي أدركت أن السماء لم تعد لها.خلال زيجاتها الثلاث، والتي انتهت بموت الأول وطلاق الثاني وكفر وفسوق وعصيان الثالث، مرت بتجارب كثيرة جعلتها تفضل الصمت على الكلام... والأسود على الألوان، وحتى طفلها الصغير ببشرته الحنطاوية وجسمه الضئيل بدا عليه أنه أخذ نصيبه من الميراث هماً، فلم يكن يبتسم.لا أذكر من أي بلد كانت، ولكني أعرف أن وجهها بالأمس أقسم أن يزور خيالي بعد 22 عاماً من آخر لقاء... لعلها الآن مقبلة على مشارف الستينات... لعلها ليست في الكويت أصلاً، ولكن لا معنى للزمان والمكان طالما أننا أرواح.كانت تشكو لأمي من كيفية تعامل البعض معها على أنها بثلاث زيجات موسومة بطفل ما يعطي البعض حق الاعتقاد أنها قابلة للاستغلال والاستخدام من دون تكاليف، ثم تنفجر من البكاء.الفقراء دائماً يجيدون مواساة بعضهم البعض.عندما كانت تبكي، كانت السماء تبكي معها... هكذا كنت أعتقد!ورغم أنها مقطوعة من شجرة إلا أن جذورها كانت ضاربةفي العفة والاحترام والحشمة وكأنها من سلالة ملكية أضاعت قافلتها لتتلقفها قبائل آكلي لحوم البشر، وحتى النباتيين منهم لا يخلون من غمز ولمز.كانت تعتبر أمي مثل أمها... ولكني لم أعتبرها يومها مثل أختي، كنت أقول: ليتني كنت أكبر، لتوجتها بتاج لا أملكه، ولكني كنت أصغر حتى من أن أشعل موقد الغاز وحدي.أتحجج لأمي بأنه ينبغي عليّ أن أحمل لها تلك الأشياء التي قررت أمي أن تقتسمها معها من أشياء التموين.زيت وأرز وعدس وكثير من الإحساس بالمسؤولية حملته وأنا أسير أمامها على طريقة موسى عليه السلام لكي أوصلها لملحقها الصغير الذي يبعد عنا ثلاثة شوارع... أسير أمامها ويسير خلفي 12 عاماً من التجارب، وتسير خلفي حاملة على يديها طفلاً وعلى أكتافها 36 عاماً من الهزائم.وضعت الأشياء أمام الباب، وتراجعت للخلف بحس طفل شعر للتو أنه أصبح رجلاً عليه أن يكون من غير آكلي لحوم البشر... ومن دون أن أرفع عيني نحوها ركضت عائداً للبيت... وفي الخلف سمعت صوت الباب وهو يغلق.كيف يمكننا أن ننسى مفاتيح سياراتنا ولا ننسى أشخاصاً قابلناهم لساعات فقط، كيف تعمل الذاكرة؟!دعوت الله أن تكون قدوجدت تاجها الضائع في مدينة الرمال... ودعوت الله أن تكون أمي في الجنة.كاتب كويتيmoh1alatwan @