بعيداً عمن اختار اسم المسلسل التلفزيوني الذي يعرض على قناة ة MBC «غرابيب سود»، ليثبت لنا أن الجواب ظاهر من عنوانه من حيث سطحية اختيار الاسم إلى سطحية التعاطي مع الموضوع.فسياق الاسم في القرآن بعيد كل البعد عن الرايات والعباءات والنساء والشهوة واللذة وتفاصيل أخرى كتبتها لين فارس بالتعاون مع عبدالله بن بجاد السلفي المتطرف السابق والتنويري المتطرف الحالي. بعيدا عن كل ذلك سيدور نقاشنا.ولا أدري إلى متى سنظل نتعاطى مع ظاهرة الإرهاب والجماعات الإسلامية باستخفاف واستهلاك بدءاً من غالبية أفلام السينما العربية وانتهاء بمسلسل غرابيب سود.«غرابيب سود» مسلسل دراميّ يدخل منطقة ساخنة ترصد الممارسات الإرهابية التي تتخذ من الدين ستاراً بطريقة مثيرة للجدل.ويأتي المسلسل كرسالة مكثفة مختزلة تحذّر من الانسياق عاطفيًا خلف الشعارات الدينية الزائفة والمسيّسة لمصالح جماعات إرهابية بحتة.هكذا يعرف موقع «MBC» المسلسل!ولكن هل نحن فعلاً بحاجة لطرح الموضوع بهذه الطريقة التي تمت في المسلسل؟إن الجماهير العربية والإسلامية التي لعنت «داعش» في الجهات الأربع هي ذاتها التي استنكرت الحلقات الأولى للمسلسل في التعامل مع الظاهرة.ليس لأن الجماهير العربية والإسلامية مفصومة وبشخصية مزدوجة تكره «داعش» في العلن وتدافع عنها في «تويتر» كما يحلو للبعض أن يردد، وليس لأن في داخلنا داعشياً صغيراً سينمو يوماً ما كما يحلو للسادة أصحاب الميول الديموقراطية الترديد، ولكن لأنهم لاحظوا أن الأمر يمس معتقدهم الذي تم تحريفه على يد «داعش» مرة وعلى أيديكم مرة أخرى.الجماهير التي تعيش بين طرفي المقص، حيث جماعات إرهابية تريد رأسها... وقطاع ترفيهي يريد أفكارها.إنكم بمسلسلكم هذا لم تنقلوا الواقع للمسلمين لكي يعرفوا جرائم «داعش» ومتاجرتها بالدين، لأننا جميعاً في الواقع قد عرفنا هذا الشيء عندما فقدنا أحبابنا وجمعنا أشلاء معارفنا في المساجد والأسواق والمطاعم والمجمعات والفنادق، ولا نحتاج إلى مسلسل يدعي أنه يصور لنا الواقع...لأنكم وبصراحة خلقتم واقعاً من عند أنفسكم... واقعاً تجارياًَ باحتراف عنوانه نكاح الجهاد... يا له من خذلان! هل تعتقدون أنكم فعلاً تناقشون ظاهرة العنف والإرهاب؟حسب تقرير التنمية الإنسانية الصادر عن المكتب الإنمائي للأمم المتحدة فإن 90 في المئة من الشعوب الإسلامية تنظر لـ «داعش» نظرة سلبية، أما الـ 10 في المئة المتبقية والمتعاطفة فغالبيتها في مناطق تغيب عنها التنمية تماماً.كان عليكم أن تستفيدوا من انتفاضات العام 2011، لتعلموا أن للدين بكل نصوصه حتى تلك التي تسعون لتأويلها دوراً رئيسياً في حياة العرب وهويتهم وثقافتهم خصوصاً الشباب، بمن فيهم أولئك الذين يرتدون الجينز ويأكلون الهامبرغر، وأن الأحزاب الإسلامية استغلت فراغاً سببه فشل عمليات التنمية من الحكومات وفشل مثقفي التنوير المدعومين من الأمم المتحدة على مدار عقود، ما أثار نقاشاً حول إمكانية قيام دول دينية على أكتاف الثورات، كما كان عليكم أن تعلموا أن الجنوح للعنف ليس سببه الرئيسي نصوص اجتزأها «داعش» لتبرير أفعاله بقدر ما أن سببته ديموغرافيا سكانية يتشكل معظمها من الشباب المحبط والمهمش والمنسلخ عن المؤسسات ما يعني ببساطة أن ثمة مخزوناً من الشباب يمكن تجنيدهم أكبر من ذي قبل سواء لحزب ديني سني أو شيعي... نازي أو فاشي... المهم وعد ما يعد بالجنة والتنمية وسد الفراغ الطبقي على الأرض، وإعطاء الفرص لخلق أبطال أسطوريين على خشبة المسرح.ولكن المسلسل يأخذنا لمنحى آخر تماماً، منحى ينتهي بغلق دائرة ندور فيها منذ 100 سنة تقريباً، منذ الأفغاني وحتى القرضاوي! ألا تستطيعون أن تمضوا بالسؤال أبعد من ذلك؟إن طرحاً متطرفاً مثل هذا يعالج ظاهرة متطرفة مثل هذه سيجلب لكم ثناء الصحف الفرنسية والبريطانية وأعمدة كتابة في الصحف الأميركية... ولكن المسلمين لن يستفيدوا منه بشيء.مساكين هم المسلمون حتى في مناقشة مشاكلهم لا يستفيدون بشيء!! فقط تتم المتاجرة بهم.moh1alatwan@
مقالات
خواطر صعلوك
«غرابيب سود»... وظاهرة الإرهاب!
04:55 م