هل تفكَّرتم عباد الله الأخيار: بما خوَّف به العزيزُ الغفار؛ عبادَه في كتابه الكريم من ذكر النار؛ والتعريفِ بحال أهلها في دار البوار؟، وما أعدَّ لهم من العذاب والنكال، والسلاسلِ والأغلال.كلُّ ذلك حتَّى يتَّقوه بصالح الأعمال، ويُسارعوا إلى مغفرة الكبير المُتعال، وذلك بامتثال ما يأمر به ويُحبُّه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه.فإن رُمْتَم معرفة الخبر؛ عن وقود النَّار المُستعِر: فوقودها البشر والحجر، فهل من مُصطبر؟، «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ».فهل جعلتم بينكم وبين نار الله تعالى وقاية؟، وهل أحطتُّم بأحوالها علماً وفهماً ودِراية؟فإن سألتم عن قعرها فبعيدٌ، وعن حرِّها فشديدٌ، أخرج مُسلمٌ في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كُنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ سمع وجبة (أي: صوتَ شيءٍ سقط بشدَّة)، فقال النَّبيُّ: تدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. فقال النَّبيُّ: هذا حجرٌ رُمِيَ به في النَّار منذ سبعين خريفاً، فهو يهوي في النَّار الآن؛ حتَّى انتهى إلى قعرها).فهذا لعمر الله بعدها وقعرها، وأما حميمها وحرُّها: فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (ناركم هذه التي يُوقد ابن آدم: جُزءٌ من سبعين جُزءاً من حرِّ جهنَّم. قالوا: واللهِ إن كانت لكافيةً يا رسول الله! فقال النَّبيُّ: فإنَّها فُضِّلت عليها بتسعةٍ وستِّين جُزءاً، كلُّها مثل حرِّها) أخرجه البُخاريُّ ومُسلمٌ.وإن سألتم معشر الإخوة الكرام: كم لجهنَّم من وِثاقٍ تُشدُّ به وزِمَام؟ فاسمعوا ما تُصمُّ لسماعه آذانُ الأنام: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُؤتى بجهنَّم يومئذٍ لها سبعون ألف زمامٍ، مع كلِّ زمامٍ سبعون ألف مَلَكٍ يجرُّونها) أخرجه مُسلمٌ.وإن سألتم معشر الإخوة الأحباب؛ عمَّا يتدثَّر به أهل النَّار من الثِّياب: فإنَّه القطران وهو النُّحاس المُذاب، قال الله تعالى في مُحكم الكتاب: {وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ}.وهل تدرون ما أهون أهل النَّار نكالاً؟ إنَّه مَنْ ينتعلُ مِنْ جَمْرِ جهنَّم نعالاً، ولا يرى أنَّ أحداً أفظع منه حالاً، فعن النُّعمان بن بشيرٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله: (إنَّ أهون أهل النَّار عذاباً: من له نعلان وشراكان من نارٍ؛ يغلي منهما دماغه كما يغلي المِرْجَل، ما يرى أنَّ أحداً أشدُّ منه عذاباً، وإنَّه لأهونهم عذاباً) أخرجه البُخاريُّ ومُسلمٌ.وإن سألتم عن أشدِّ أنواع العذاب: فهو لعمر الله تعالى الحجاب؛ الذي يُضرب بينهم وبين رُؤية وجه ربِّ الأرباب، {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ}.فجمع عليهم الربُّ تبارك وتعالى بين نَوْعَيِ العذاب: العذاب الجسماني بالنَّار والعذاب الرَّوحاني بالحجاب.فيا حسرة النُّفوس؛ يوم تُحرم من رُؤية وجه الملك القُدُّوس، قال أبوعمران الجُونِيُّ رحمه الله تعالى: (إنَّ الله تعالى لم ينظر إلى إنسانٍ قطُّ إلا رحمه، ولو نظر إلى أهل النَّار لرحمهم، ولكن قضى أن لا ينظر إليهم).ربَّنا آتنا في الدُّنيا حسنةً؛ وفي الآخرة حسنةً؛ وقنا عذاب النَّار.* أُستاذ الشَّريعة والدِّراسات الإسلاميَّة بجامعة الكويتإمـام وخطيب المسجد الكبير بدولة الكويتw-alali@hotmail.com