عند الشاعر صالح الشاعر يتحول موضوع الإنسان وتتغير لديه هذه المسألة، من حيث كونها ذاتية كما هو الحال عند أغلب الشعراء إلى موضوع يحتل مساحة من تفكير الشاعر غير أنه يعرض هذا الموضوع بحالة من عدم الحياد، إذ إنه يطل بوجهه بين زوايا الموضوع، وكأنه يوجه الموضوع وفق الخط الذي يريد:في أمان الله..جيت ورحت يالغالي...وعسى دربك رغدالكل مشغول..ومثل ما شفت..ما حولك ولد..ارجع وسلّم على كل النشامى..وقول: جيت من البلدولا لقيت أحدٍ أبديرتبط الإنسان لدى صالح الشادي وخاصة من خلال النصوص التي بين أيدينا له، يرتبط بالمواطنة سواء بحدودها المعروفة التي ترتبط بالأوطان أو بحدودها الواسعة المرتبطة بالعروبة، وهو في هذا المقطع يعكس مدى فقد الإنسان للإحساس بالألفة والشعور بوحدة المصير حيث «الكل مشغول» في شؤونه الخاصة التي لا تعنيه إلا هو ولا تعني سواه، وهو هنا يرسم لنا صورة اغتراب الإنسان بين أبناء شعبه ومواطنيه، وكما قال في أكثر من موضع «ما حولك أحد.. ولا لقيت أحدٍ أبد» لهذا نلحظ في شعر الشادي رؤيته إلى هشاشة الواقع الذي نعيشه، ومحاولته سبر أغوار هذا الفضاء المحيط به، فبما أن العالم يعيش على منهجية البحث والاستقراء، فإن الواقع يقوم على المقاومة، وهذا ما يريد الشاعر تأكيده، غير أن هذا التأكيد يأتي به من خلال هذه الومضات الشعرية التي تصيب بالصاعقة والذهول:كنت أجاهر بالوجعوأحسب رفيقي.. لا وقعت يقول آهوكنت أفتري بالآه..وأدور ابن العم في دمي.. ولا ألقاهمن الوهلة الأولى لمن يقرأ «ابن العم» يظن أنه ابن القبيلة لا سيما كون هذا المسمى صادراً من شعر شعبي خليجي، غير أن من يقرأ العديد من نصوص صالح الشادي يجد أن النـزعة القومية طاغية على قصائده، وتكاد أن تكون ملمحاً مهمّاً في تجربته، وهذا ما يمكن استنطاقه من المقطع الأول الذي تم إدراجه له في هذا المبحث، حيث تظهر هذه الروح في كلامه، ويؤكدها حضور «ابن العم» في هذا المقطع، وهو مؤشر على ارتباط الإنسان لديه بإنسان الوطن والأمة، والإنسان الذي يحمل هم القضية العربية في هذا العصر وهو كما في المقطع السابق يوضح لنا مدى هذه الهشاشة في العلاقات، ومدى هذا التصدع الذي انعكس على الشاعر إذ خلق منه إنساناً لا يثق بالإنسان، لا سيما الإنسان الذي كرس عنده هذا الحال، وهذا ما دفعه للقول في مكان آخر:الفرق ما هو بالزمن..الفرق بالإنسانوالعيب ما هو بالوطنالعيب بالوجدانفهو يوجه اللوم للإنسان نظراً لفساد ضميره وعدم إحساسه بالواجب، الأمر الذي أفسد لديه المشاعر، باعتبار أن هذا الفساد ما هو إلا فساد تراكمي، رافضاً في الوقت ذاته توجيه أي لوم لسواه، وهو ما دفعه إلى عدم الثقة فيه مما ولّد عنده هذا الشعور.تبدو من الوهلة الأولى منتهى القريش وهي الشاعرة التي تعيش على الساحل الشرقي من الخليج العربي، تبدو هذه الشاعرة رومانسية في نظرتها إلى الإنسان، وهي تصوره بذلك الشخص الحالم المتأمل الذي يعيش هذه الحياة ولا يشعر بها، الواقف بجوار الرصيف غير أن آماله وأحلامه تنأى به عن الرصيف، وهي هنا حينما ترسم لنا هذا الموقف الطوباوي تترك كل الخيوط محلقة في الهواء حيث فتحت الأبواب ولم تغلقها:كان واقف ع الرصيفكان ضايعفي عيونهتنتحب كومة مواجعيلتفت حولهمن ذهولهفي الهوا يرسم دوايركان حايربيوت عتمةليل هادييرسم الفرحة أياديميتة فيها الأصابعصورة الإنسان تكون ملتصقة في ملامح الأماكن والزوايا سواء كانت حسية أو كانت مجردة كالرصيف والبيوت والمواجع والحيرة والهدوء والفرح والليل والهواء والأصابع، وهذا ما يفسر لنا تعلق الشاعرة منتهى القريش برسم ملامح الغياب والأبواب المغلقة وما في هذه الظروف من تشرد وضياع كما هو واضح في قصائدها الأخرى، وهنا تحاول نقل هذه الصورة الممتزجة بكل هذه التداخلات بصورة الإنسان لديها، وكأنها تريد أن تقول بأن الإنسان ما هو إلا شخصية من دوائر هوائية تظهر فجأة وتختفي فجأة، دوائر هوائية بلا ملامح مادية أو نفسية مغيبة عنه كل الأشياء من حوله أو مغيب عنها، وهو أشبه ما يكون بكومة من الخيال العابر الذي لا يترك له أثراً في الأماكن.حالة الإنسان عند خالد قماش تكاد أن تكون أكثر صرامة وأكثر جدية، وذلك أنه منغمس في صخب البحث عن ذاته المعيشية والوظيفية، لهذا يحاول الشاعر عرض هذه الصورة في البداية من كل التفاصيل بكل ما فيها من تناقضات، وعيوب ومزايا:أنا الماضي بزلاتي..أنا المستقبل الآتي..أنا التائب.. أنا المدمنوجرح ع الورق مزمن..أنا المجنون والعاقل..أنا الطعنة وأنا السكين..أنا الأفكار والأذكارخليط من الهوا والنار..في هذه المقطوعة يحاول الشاعر وضع رسم بياني للإنسان في تصوره، أو في هذا العصر في أضعف الإيمان، هذا الإنسان المثقل بالذنوب والخطايا، المثقل بالهموم والأفكار، والرغبة المتأرجحة ما بين الإيمان المطلق والعبث الديني اللامحدود
متفرقات - شعر
?الموقف من الإنسان في الشعر الشعبي الحديث (3 - 9)
| محمد مهاوش الظفيري |
10:18 م