على الرغم من الشعبية الكاسحة للدراما التلفزيونية في رمضان، وسطوتها على الشاشة الفضية، فإنها كثيرا ما وصفت بالخفة، وحرمت الأمل بالارتقاء بالدراما من الركاكة لمستوى «الأدب»؟!هناك تجربة خليقة بالذكر، وتستحق منا وقفة متأنية لدحض هذا الفهم؛ وهي تجربة أحد أهم المؤلفين وكتاب السيناريو في الدراما التلفزيونية المصرية والعربية أسامة أنور عكاشة. سبق وأن أصدر عكاشة ما بين 1967 و1968، مجموعتين قصصيتين كانتا باكورة إنتاجه الأدبي.وكدأب المبتدئين، خابت آمال عكاشة، وأحبطت خططه، حينما لم يعبأ باقتناء مجموعتيه، سوى قلة قليلة، لم يتجاوز عددها أصابع اليدين.ومن الشائق، أنه في العام 1969، حينما همَّ صديق عكاشة القاص الوارف الظلال سليمان فياض- من قبيل المصادفة- بإعداد إحدى قصص عكاشة لسهرة تلفزيونية، في إطار عمله كمحرر في التلفزيون المصري، ألفى عكاشة دهشة تجاه القصة، قلبت علاقته بالأدب رأساً على عقب، وذلك حينما رأى قصته بفضل تلفاز يتابعه الملايين، تتخطى الحدود، وتحظى بمتابعة نقدية لائقة، لم يقو عليها كتاب أو محفل أو ندوة! كأي كاتب جاد، أرق عكاشة- بطبيعة الحال- مبدأ أن يكتب من دون قارئ، حيث أن الهدف الحقيقي من الكتابة، هو الوصول بفكر الكاتب وقلمه إلى أكبر قدر من الناس، ولهذا السبب، وقف عكاشة مع نفسه وقفة نقدية فاحصة متبصرة وخاض رحلة تفكير شاقة ومضنية، فتحت إجابتها الباب أمام متوالية من المتون الدرامية التلفزيونية البديعة التي كتبها. هناك حقيقة بديهية قديمة، وهي أنه متى ما توفر النص المكتوب توفر الأدب، وقد ترتب على هذه الحقيقة حتمية أخرى، وهو أنه ليس كل نص خليقاً بأن تربطه وشائج القربى بالأدب، سواء كان قصيدة أو مسرحية أو رواية أو قصة أو حتى نص تلفزيوني! وهكذا فإنه وإن كان أغلبية ما يقدم من دراما تلفزيونية عليه مآخذ، فإن اتهام الدراما التلفزيونية لوحدها بالخفة وقدحها بالركاكة، لمجرد «ضعف فروعها لا حقيقة جنسها»، يعد قراءة مغرضة، تسحق إعادة النظر. ولا نزاع، بوجود أعمال تلفزيونية رفيعة؛ وفي مقدمها أعمال عكاشة نفسه، التي فجرت بسلطان عباراتها النافذ وقوة منعتها، ينابيع الدلالات والمفاهيم الناجزة، وانتسبت بشموخ على مستوى الماهية كنماذج رفيعة لمستوى الأدب وقوانينه المعيارية. ولا مناص لنا من الإقرار إزاء ما سبق، إن أهل النقد – برأيي المتواضع- لم يوفوا الدراما التلفزيونية الرفيعة حقها باعتبارها كائنا له نواميس نموه داخل شجرة الأدب.. وإنه لمن المؤسف، أنه كتب على التطور منذ الأزل، أن يواجه كل مقدس ويظل أسيراً للخوف من الوثبات، ولكن المتلقي سيظل مترقبا لـ (أدب مرئي) يرغمنا أن نقر علانية بحقه في أن يتغلغل بلا وسيط داخل كل البيوت.* أستاذ النقد والأدبaliali2222@hotmail.com
محليات - ثقافة
نحو ألق ثقافي / دراما رمضان
د. علي العنزي
02:02 ص