ليس في المذكرة المتعلقة بإقامة «مناطق خفض التصعيد» التي وقعتها روسيا وإيران وتركيا في أستانة ما يبشّر بالخير بالنسبة إلى مستقبل سورية. هذا عائد أساساً الى وجود طرفين، على الاقلّ، يشاركان في الحرب على الشعب السوري. يعتبر كلّ من هذين الطرفين نفسه «ضامناً» لخفض التصعيد في مناطق معيّنة لم تحددها بوضوح المذكرة التي صدرت عن اجتماع أستانة.الأكيد، من متابعة مجريات الامور، أنّ هذه المناطق تصلح أساساً لتقسيم سورية في ظل رغبة كلّ طرف من الأطراف المعنية مباشرة بمستقبلها بحصول مثل هذا الأمر بإشراف النظام الذي أسسه حافظ الأسد ويديره حالياً بشّار الأسد. هل من وظيفة أخرى لهذا النظام الذي أخذ على عاتقه الانتهاء من سورية بمجرّد انّها لم تعد «سورية الأسد»؟يؤكّد مثل هذه الرغبة في إيجاد غطاء دولي لتقسيم سورية، تقديم روسيا مشروع قرار الى مجلس الأمن يدعو صراحة إلى تأييد المجلس لما صدر عن الاجتماع الأخير في أستانة.مطلوب صراحة من مجلس الأمن توفير غطاء لعملية تقسيم سورية كي تصبح هناك مناطق نفوذ لروسيا وايران وتركيا وإسرائيل... والولايات المتحدة. الأهمّ من ذلك كلّه، مطلوب أن تكون هناك منطقة عازلة بين إسرائيل وسورية، ليست روسيا بعيدة عن مشروع إقامتها في ضوء التفاهمات القائمة بين الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.ليس سرّاً أن الطرفين المشاركين مباشرة في الحرب على الشعب السوري هما إيران وروسيا، فيما الطرف الثالث وهو تركيا يعاني من تعقيدات ذات طابع داخلي واقليمي ودولي في الوقت ذاته. هناك تحد كبير أمام الرئيس رجب طيب أردوغان الذي عليه أن يظهر أنّه لا يزال قادراً على تحقيق نتائج إيجابية على صعيد الوضع الاقتصادي التركي. وهناك العقدة الكردية والمخاوف من قيام كيان للأكراد في الشمال السوري قد يجد له امتدادات في دول الجوار، بما في ذلك تركيا نفسها. وهناك من دون أدنى شك حال التذبذب التي تمرّ بها العلاقات التركية ـ الاميركية. لم تتحسّن هذه العلاقات بشكل كاف منذ خلف دونالد ترامب باراك أوباما. لا تزال هناك مخاوف تركية من العلاقة الاميركية ـ الكردية. لم تفعل واشنطن شيئاً حتّى الآن لتبديد هذه المخاوف التي يعكسها التقارب التركي ـ الروسي والزيارة الأخيرة التي قام بها أردوغان لمنتجع سوتشي للقاء بوتين. ليس أمام تركيا في ظلّ هذه المعطيات سوى لعب دور في الداخل السوري، خصوصاً أنّها تعتبر أن القضيّة الكردية مسألة حياة أو موت بالنسبة إليها.ثمة مجال لأخذ وردّ طويلين في ما يتعلّق بالدور الروسي في سورية، خصوصاً أن العلاقة بين موسكو ودمشق ذات تاريخ طويل مرتبط أساساً بمرحلة الحرب الباردة من جهة ورغبة الكرملين الدائمة في القضاء على كلّ جانب حضاري في هذا البلد العربي أو ذاك من جهة أخرى. مَن يحتاج إلى دليل على ذلك، يستطيع العودة الى ما جرى في ما كان يسمّى اليمن الجنوبي في مرحلة كان فيها جرماً يدور في فلك موسكو...هناك رهان روسي على إمكان استغلال الوضع السوري كي تظهر موسكو مجدداً أنّها عاصمة لقوّة عظمى تمتلك حق أن تكون لديها مناطق نفوذ خارج حدودها، خصوصاً في المياه الدافئة، أي في البحر المتوسّط. في أحسن الأحوال، يمكن افتراض أن روسيا تسعى إلى التفاوض مع الولايات المتحدة من أجل مقايضة تكريس وجودها في شبه جزيرة القرم بتصرف مختلف في داخل سورية. الهدف النهائي لموسكو هو الخروج من تحت سيف العقوبات الأوروبية والأميركية التي لا تريد الاعتراف بأنّها أثرت على الاقتصاد الروسي... وضمان البقاء في القرم.أعادت روسيا سيطرتها على شبه جزيرة القرم في 2014. الأرض أرض روسية أصلاً وليست أوكرانية وقد تخلّى عنها نيكيتا خروشوف عندما أصبح أميناً عاماً للحزب الشيوعي السوفياتي خلفا لستالين في 1964. لكنّ ذلك لم يحل دون فرض عقوبات على بلد أظهر لاحقاً، من خلال تعاطيه مع أوكرانيا، أنّه يحلم بالعودة الى الماضي الامبريالي للاتحاد السوفياتي.يظلّ الرهان على عقلانية روسية تقوم على صفقة مع واشنطن تشمل أوكرانيا وسورية رهاناً قائماً. في نهاية المطاف، تعرف روسيا حجمها وتعرف خصوصاً أنّه لن تقوم يوماً قيامة لاقتصادها، الهزيل أصلاً، من دون رفع للعقوبات الدولية ومن دون ارتفاع لسعر النفط والغاز. وهذا لا يعتمد على الولايات المتحدة فقط، بل على دول الخليج، على رأسها المملكة العربية السعودية أيضاً.معروف أن روسيا ستساوم على رأس بشّار متى آن أوان ذلك. ما ليس معروفاً ما الذي تريده إيران؟ هل تعتقد ان عملية التبادل السكّاني في سورية تخدم أهدافها في المدى الطويل، أي تؤمن لها دور القوّة الإقليمية المهيمنة في الشرق الاوسط. من حقّ كلّ عربي، وليس فقط الأمير محمد بن سلمان وليّ وليّ العهد السعودي، الاعتراض بقوّة ووضوح على السياسة الإيرانية. ظهرت هذه السياسة بوجهها الحقيقي، أي الوجه البشع الذي يؤمن بالاستثمار في إثارة الغرائز الطائفية في كلّ بقعة أرض استطاع «الحرس الثوري» بلوغها.سقطت إيران في الفخّ الذي أرادت أن تنصبه للعرب. لم يعد هناك من يصدّق أن لديها مشروعاً يمكن الاقتداء به. ما تشهده سورية منذ العام 2011 كشف حقيقة الدور الايراني الذي تعرّف إليه اللبنانيون عن كثب باكراً، أي منذ سمح حافظ الأسد لجحافل «الحرس الثوري» بدخول الأراضي اللبنانية في العام 1982 ومباشرة تنفيذ عملية مدروسة بدقّة ليس بعدها دقّة بهدف تغيير طبيعة المجتمع الشيعي في لبنان، فضلاً عن تغيير التركيبة السكّانية لبيروت ومناطق أخرى. وهذا ما بدأ يتبلور منذ يوم السادس من فبراير 1984، عندما خرجت الدولة اللبنانية ومؤسساتها من بيروت الغربية ذات الأكثرية المسلمة.تؤسس مذكرة أستانة التي وقّعتها روسيا وايران وتركيا لتقسيم سورية. لكلّ دولة من الدول الثلاث أجندتها. هناك أجندة إسرائيلية بالطبع، تظلّ الاجندة الايرانية هي الأخطر نظراً الى انّها تقوم على تبادل سكاني من منطلق مذهبي. ففي الوقت الذي كان يجري الترويج لمشروع القرار الروسي في أروقة مجلس الأمن، كانت تتم عملية تهجير لبعض أهالي دمشق المقيمين في حيّ برزة. تعتبر عملية التهجير هذه مؤشراً في غاية الخطورة وذلك ليس نظراً الى انّها تأتي في سياق عمليات مماثلة أخرى سبقتها فحسب، بل لأنّها تشير الى نيّة في الذهاب الى النهاية في مشروع تطويق دمشق وربط منطقة سورية معيّنة بالأراضي اللبنانية أيضاً. والمقصود هنا الأراضي اللبنانية التي تحت السيطرة المباشرة لإيران عن طريق ميليشيا «حزب الله» التابعة لها.هل تبتلع الولايات المتحدة طعماً اسمه مذكرة أستانة التي تضع الأسس لصيغة تنتهي بتقسيم سورية لمصلحة ايران وروسيا وتركيا؟أيّام قليلة ويظهر ما إذا كانت إدارة دونالد ترامب حذقة ما فيه الكفاية لتفادي السير إلى النهاية في مشروع يخدم كثيرين، على رأسهم إيران، لكنّه يعني قبل كلّ شيء التفتيت الكامل لسورية التي عرفناها.