بالتأكيد أنت لا تحتاج عزيزي القارئ أن أذكرك - ورغم ذلك سأذكرك - بأننا كشعب كويتي ما إن نسمع بقرار تقشف يمس جيوبنا حتى يتصدر وسائل التواصل الاجتماعي لدينا أخبار وصور عن قروض بالملايين قدمتها الدولة إلى دول أخرى وشعوب أخرى، فنبدأ سيمفونية انتقاد عبر التعليقات في وسائل التواصل أو عبر جلسة الدواوين قائلين جملة واحدة مشتركة (شسالفة يبا... وين التقشف؟).لذلك اسمح لي اليوم أن أتقمص دور منفذ الطباعة في أي مركز خدمة مواطن موجود في المناطق لأكتب لك رسالة (استعطاف واسترحام) أتوجه بها إلى جهة قد تخرجنا مما نحن فيه.إلى السادة الأفاضل في الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية...تحية طيبة... وبعد.بلغنا أنكم أول مؤسسة إنمائية في الشرق الأوسط تقوم بالمساهمة في تحقيق الجهود الإنمائية للدول العربية والدول الأخرى النامية، وأنكم (ما شاء الله) لا تدخلون مشروعاً إلا نجح سواء أكان زراعياً أو صناعياً أو طرق نقل، وأن القروض التي تقدمونها تساعد الناس كي يساعدوا أنفسهم فعلاً، وأن هذه القروض لا تؤخذ من ميزانية الدولة إلا بنسبة قليلة و أما الباقي فهو رأس مالكم المستثمر لخدمة التوجه الإنمائي.ومن هذا الباب الواسع نحب أن نُبلغ سيادتكم أننا من الشعوب التي تحتاج بعض المشاريع الإنمائية في الزراعة وتوفير الأمن الغذائي وفي الثروة الحيوانية وفي الصحة الإنسانية وفي تدريب الأيدي العاملة لمواجهة تحديات العولمة، فرغم أننا دولة نفطية ولكن منذ تصدير أول شحنة نفط العام 1946 ظهر التلفزيون والفيديو والسيارات وظهرت المكيفات والثلاجات وظهر الدستور وبرز أعضاء مجلس الأمة... واختفت التنمية.وهذا يعني يا سادة أن بلدنا يحتاج من يضربه على خده وينفخ في فمه ويضغط على صدره (باحترام) لعله تستيقظ... فلقد طال النوم كل مرافق الدولة تقريباً ابتداءً بالتعليم وانتهاءً بالبلدية.وحيث إن جميع محاولاتنا قد باءت بالفشل لإنعاش الاقتصاد أو تنفيذ بعض المشاريع الإنمائية بفترة قياسية، وفي ظل غياب رؤية بديلة محلية، فقد وشوش صندوق النقد الدولي في أذن الحكومة وحوقل وبسمل وبخر وأخبرها بالحل الأنسب للخروج من هذا النفق، وهو أن تخصخص القطاعات حيث تتم العملية كما يقول جلال أمين من خلال بيع ما لا يُباع وتوريث ما لا يُورث، ما سيجعل القطاعات تُعرض في مزاد علني ليس لمن يدفع أكثر ويُقدم خدمات أرخص بل لمن يدفع عمولة أكبر حتى ولو اشترى بثمن أقل.فإذا كنا متفقين على أن ملف الجناسي يجب ألا يذهب للقضاء قبل التطهير، فعلينا أن نتفق أيضاً على أن ملف الخصخصة عليه أن يؤجل حتى نضع حداً للفساد في أقل صوره. فكما أن الهُوية الوطنية لا تلتقي مع التزوير، فالخصخصة لا تتعايش مع الفساد.أعلم تماماً أن كل ما ذكرته أمور لا دخل لكم بها، ولستم من شارك فيها أو صنعها، ولكني أطلب منكم التدخل الإنمائي على الأقل في مشاريع تستطيعون تنفيذها بعيداً عن مزايدات السياسيين.ربما كان لسيادتكم أهداف إستراتيجية وسياسية عليا لا يفهمها أمثالي ممن اعتقدوا أنهم بمجرد أن يرتدوا قبعات المثقفين فهذا كفيل بجعلهم مثقفين حقاً، ولكن أريد منكم أن تضعونا في لستة تلك الأهداف والإستراتيجيات على اعتبار أننا شعب عربي أيضاً، أنهكته الدوامات السياسية والمتاهات البشرية والإعلامية حتى أصبح الجميع في انتظار (جودو) ذلك البطل الذي لا يظهر على خشبة المسرح أبداً.ربما تعتبرون هذه الرسالة ساخرة، ومجرد ملء فراغ عمود في صفحة أخيرة، ولكي لا ندخل في جدل فسأفترض أن اعتباراتكم صحيحة، ولكنها رسالة ساخرة من أوضاعنا وليست منكم... وتطلب منكم أن تملأوا فراغاً سببه غيركم من الذين يفترض فيهم أن يعملوا في الداخل أكثر من الخارج، ويقدموا حلولاً أكثر من صنع المشاكل، ويراقبوا الأسعار بدلاً من مراقبة بعضهم البعض ويطلقوا القانون على جناح الفساد بدلاً من أن يركبوه.لقد أصبحت السياسة اليوم في حياتنا جزءاً من المشكلة وليس الحل.لذلك أفكر جدياً في أن أقدم اقتراحاً للمحكمة بأن تسمح لكم أن تديروا الداخل وأن تسمح للوزارات أن تدير الخارج.وسيتبدل شعاركم من (نحن نساعد الناس لكي يساعدوا أنفسهم) إلى (نحن نُعلم الوزارات لكي يعلموا أنفسهم).فيا صندوق التنمية، أنقذنا من صندوق النقد الدولي.خلف الرسالة:عندما يمثلون أنهم غارقون في الجدية، بينما واقعهم مليء بالسخرية... فهذا فقدان للاحترام.وعندما نبدو ساخرين من أوضاع ساخرة... فهذا شكل من أشكال المقاومة.كاتب كويتيmoh1alatwan@