يدخل الرئيس الأميركي الجديد البيت البيض في ظل تطور لا سابق له على الصعيدين الاقليمي والعالمي. يتمثل هذا التطور في هبوط أسعار النفط هبوطاً مفاجئاً وكبيراً ستكون له انعكاسات في غاية الأهمية والخطورة على دول عدة في المنطقة والعالم. على رأس هذه الدول إيران، ذات الاقتصاد الهش. إنها الدولة التي لم تدرك معنى الاستثمار في تطوير اقتصادها وبنيتها التحتية، وتوفير حد أدنى من الرفاه لشعبها بدل الاعتقاد أن في استطاعتها الهيمنة على العالم العربي، وعلى منطقة الخليج بشكل خاص. سيكون الحدث المهم في غضون عشرة أيام انتخاب باراك أوباما رئيساً للقوة العظمى الوحيدة في العالم. ثمة حاجة إلى معجزة كي يخسر أوباما أمام المرشح الجمهوري جون ماكين. سيكون أوباما أول أميركي أسود يدخل البيت الأبيض. سيأتي دخوله البيت الأبيض مترافقاً مع الأزمة الاقتصادية العميقة التي تشهدها البلاد من جهة، وهبوط أسعار النفط من جهة أخرى.
/>ما الذي جعل أوباما على باب قوسين أو أدنى من البيت الأبيض؟ لا شك أن عوامل عدة لعبت دوراً في ذلك. في مقدمة العوامل الأزمة الاقتصادية التي غرقت فيها الولايات المتحدة، والتي كانت لها تداعيات على اقتصاد العالم كله. إنها أزمة لا سابق لها في التاريخ الأميركي الحديث. يجب العودة إلى العام 1929 من القرن الماضي كي يكون في الإمكان إجراء مقارنة مع حدث مماثل. ولكن من المفارقات هذه المرة أن الأزمة الاقتصادية الأميركية انسحبت على العالم، بدليل الانهيارات التي تشهدها أسواق المال في أوروبا، وحتى في دول غنية في منطقة الخليج.
/>سئم الأميركيون من جورج بوش الابن وبات اسمه مرتبطاً بالأزمة التي آذت الغالبية العظمى من المواطنين. لم يحسن جون ماكين رسم خط فاصل بينه وبين الرئيس الأميركي الحالي. في الوقت ذاته، ركز منافسه على الربط بينه وبين بوش الابن ونجح في ذلك إلى حد كبير، خصوصاً عندما قال ان ماكين أيد في مجلس الشيوخ، الذي يحتل فيه مقعداً منذ ستة وعشرين عاماً، نسبة تسعين في المئة من المواقف التي اتخذها الرئيس الأميركي المنتهية ولايته. علق هذا الرقم في ذهن الناس ولم يستطع ماكين الخروج بحجج تدحضه.
/>ارتبط اسم ماكين بجورج بوش الابن. ارتبط بـ «الحزب الجمهوري» الذي سيطر عليه المحافظون الجدد، الذين ارتكبوا كل الأخطاء الممكن ارتكابها في الأعوام الثماني الأخيرة، بما في ذلك الفشل في الحرب على الارهاب، والسقوط في الفخ العراقي لأسباب ليست مفهومة باستثناء أن بوش الابن اتخذ قراراً بتقديم العراق على صحن من فضة إلى النظام الإيراني. تبين بعد ما يزيد على خمسة أعوام على اسقاط الولايات المتحدة النظام العائلي- البعثي لصدّام حسين أن هناك منتصراً واحداً وحيداً في الحرب الأميركية على العراق. اسم المنتصر هو إيران، القوة الاقليمية الوحيدة، إلى جانب إسرائيل، التي شجعت إدارة بوش الابن على المغامرة العراقية. ترك الرئيس الأميركي الحالي لخليفته حربين غير منتهيتين. في أفغانستان والعراق فضلاً عن قنبلة موقوتة هي باكستان. من لديه أدنى شك في ان إيران كانت المنتصر الوحيد في الحرب الأميركية على العراق، يستطيع الاكتفاء بسؤال واحد: لماذا لا تتجرّأ الحكومة العراقية، التي هي من صنع أميركي، على توقيع الاتفاق الأمني مع الولايات المتحدة؟ هل من سبب آخر غير أن معظم القياديين في الأحزاب الشيعية الكبيرة كـ «حزب الدعوة»، و«المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» واقعين تحت النفوذ الإيراني، فيما لا يتقن معظم القياديين السنة سوى لغة المزايدة، متناسين أن النظام السابق لم يسقط الاّ بفضل التدخل الأميركي المباشر؟
/>كم هو ثقيل إرث بوش الابن سياسياً واقتصادياً. إنه يفسر إلى حد كبير الرغبة الكامنة لدى معظم الأميركيين في التغيير حتى عن طريق رجل أسود عرف حتى الآن كيف يكسب ثقة كثيرين منهم. في النهاية، بات مرجحاً أن يكون على رأس القوة العظمى الوحيدة في العالم رجل مختلف، امتلك ما يكفي من الشجاعة لمعارضة حرب العراق في العام 2003. كان باراك أوباما من بين الأعضاء القلائل في مجلس الشيوخ الذين وقفوا ضد الحرب. ولا شك أنه يدرك حالياً أنه سيكون عليه التفاوض مع إيران في شأن مستقبل العراق، والاتفاق الأمني الذي يسمح في مرحلة أولى بخروج العسكريين الأميركيين من المدن، ويحدد موعداً للانسحاب الكامل من الأراضي العراقية في العام 2011 مبدئياً. لا شك أيضاً، أن أوباما يفهم أن إيران كانت شريكاً في الحرب على العراق وأنها لا يمكن أن تقبل بأقل من اقتسام غنائمها مع الجانب الأميركي.
/>من يستمع إلى مستشاري أوباما يكتشف أنه رجل عملي إلى حدّ كبير، خلافاً لماكين الذي لم يترك هفوة إلا وارتكبها بما في ذلك اختيار سارة بايلن لتكون إلى جانبه مرشحة لمنصب نائب الرئيس. وقد تبين أن بايلن لعبت دوراً أساسياً في تراجع شعبيته. عند أوباما، يبدو كل شيء مدروساً، بما في ذلك كيفية التعاطي مع إيران. سيدخل في حوار معها ولكن من دون التساهل في موضوع السلاح النووي الذي تسعى إلى امتلاكه. سيركز في الوقت ذاته على أفغانستان وباكستان. يقول أحد مستشاريه: ما دمنا نحاور كوريا الشمالية، لماذا لا نحاور إيران؟ يضيف هذا المستشار، الذي لعب دوراً مهماً في عهد الرئيس كلينتون: إننا ندفع حالياً ثمن الخطأ الذي ارتكبناه عندما ذهبنا إلى العراق قبل استكمال المهمة في أفغانستان وباكستان. يمتلك مستشار أوباما جرأة كافية للقول أن العراق أخرج السياسة الأميركية عن السكة، وأن مشاكل الشرق الأوسط زادت بسبب بوش الابن ونائبه ديك تشيني.
/>إننا، على الأرجح، أمام مشروع رئيس أميركي بارد يقيم حساباته بدقة. سيدخل في حوار مع إيران. ما هو أكيد أيضاً أنه سيكون أكثر تشدداً من الجمهوريين معها. لماذا هذا الجزم؟ لسبب في غاية البساطة. السبب عائد إلى أنه يعترف بأنها كانت المستفيد الأول من حرب العراق، وأنه لابد من وضع حد لنفوذها باعتماد الحسنى في البداية... أكثر من ذلك، سيدخل في حوار مع إيران في ظل هبوط لأسعار النفط. هذا ما يجعل الحوار في ظل موازين مختلفة إلى حد كبير لا علاقة لها بالتوازنات التي كانت قائمة عندما كان سعر برميل النفط قريباً من مئة وأربعين دولاراً!
/>خيرالله خيرالله
/>كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
/>