عندما فتح عينيه في السادسة والنصف صباحاً، انتبه أن الوقت مازال مبكراً جداً على أن يقوم من فراشه ويزيح غطاءه، ثم يلتفت إلى زوجته النائمة قائلاً (لقد كانت منذ ثلاثين سنة لا تحب النوم بهذه الطريقة).. الوقت لا يزال مبكراً جداً خصوصاً وأنه تقاعد منذ سنتين، ولكن مسامات جسده كلها مازالت تستيقظ في الوقت ذاته.اتجه للمطبخ وفتح الثلاجة متجاهلاً الخادمة التي بدأت تمسح الأرفف بمنشفة قماشية مخططة بالأبيض والأحمر، ذكرته بآخر ورقة تسلمتها من الحكومة لم يكن فيها شكر وتقدير.. بقدر ما فيها من أختام وما تبقى من الراتب.وقف أمام الثلاجة، تناول قطعة من العنب والتهمها دون أن يغسلها، تذكر أن عليه أن يُفرش أسنانه ويصلي الصلاة التي فاتته، ثم يجلس أمام التلفاز ويقلب محطاته دون أن ينظر إليه.(هل يعقل أن تكون هذه المحطة الأخيرة؟) يلقي السؤال على نفسه للمرة 1800 خلال الأشهر الستة الماضية.قلب في هاتفه النقال ولكن آخر رسالة «واتساب» جعلته يرتدي دشداشة لائقة بالوقوف أمام البيت لينظر لأطفال المدارس وهم متجهون إلى مدارسهم مع آبائهم وأمهاتهم وخدمهم.. ويحاول أن يتفرس في الوجوه عن تلك الفتاة التي ستكون مثل (ابنته)..ابنته التي أرسلت له رسالة تقول (آسفة يبا.. والله آسفة بس كل ما أبي أمر عليكم تطلعلي مليون شغلة).يسلم على جار لم يتقاعد وآخر سيتقاعد بعد سنتين، ويقرر أن يصلي المغرب في المسجد الملاصق لديوانية صديقه الذي تقاعد قبله بشهر.هكذا الأمر بالنسبة له.. أناس على قيد الحياة ويعملون.. ومتقاعدون عن الحياة.عاد للداخل والتقط الجريدة من صندوق الاشتراك.. مازالت الخادمة تمسح، والزوجة نائمة، والساعة تشير إلى السادسة والنصف وخمس دقائق صباحاً!!يصاب بالفزع كلما فكر كيف سيقضي بقية اليوم، حيث الفراغ يلتهم الأشياء.قرر أن يذهب للجمعية التعاونية ليشتري بعض السلع التي لا يحتاجها، ليقضي وقتا يقتله.. وعاد أدراجه للمنزل..في الطريق قابلته..(استاذ..كيف حالك،ألا تذكرني أنا محمد العطوان وقد درستني في المتوسطة المشتركة للبنين).نظر لي وكأنه كان سينطق بشيء مليء بالذكريات ولكنه قال بحياد مطلق:(أهلاً وسهلاً).حملت عنه الأكياس التي يحملها وقلت له(دعني أوصلك بسيارتي).. ولكنه فضل أن نمشي.في الطريق حكى لي الكثير عما يشعر به المتقاعدون من هدر ونزيف نفسي وكأنه أشار أيضاً إلى كلمة عقوق، ولكن بسبب انشغال ذهني بسيارتي التي تركتها مفتوحة في وسط الطريق حيث نزلت ملهوفاً عندما رأيته لأسلم عليه، لم أستطع أن أحدد ما هو مطلوب مني بالتحديد، ما أعطى المشهد العام انطباعاً سيئاً لأستاذ أنهكته السنون والنظرة للمتقاعدين، وتلميذ شاب لا يحسن الاستماع، ثم إنني لم أعرف وقتها كيف ينبغي أن اتصرف تجاه مرثية حزينة لا تظهر نفسها ولا تخفيها يطلقها أستاذي الذي لم أقابله منذ أعوام عديدة.وصلنا أمام منزله، وقف متأملاً المنزل وكأنه يعاينه للمرة الأولى، أطلق جسراً طويلاً من التنهيدات ثم تقدم للباب بينما بقيت واقفاً خلفه حاملاً الأكياس.. فتح الباب ثم نظر لي قائلاً (ذكرني باسمك).ذكرته باسمي وباسم المدرسة.هز رأسه بلا مبالاة وتركني وأغلق الباب.لاحظت أنه مشترك في جريدة «الراي» بصندوقها الأحمر وعبارتها البيضاء (يومية. سياسية. شاملة).كتبت هذا المقال لكي أعتذر له عن سوء الإصغاء.. ولأذكره أنني تركت الأكياس تحت صندوق اشتراك الجريدة.****قصة قصيرة:ذهب شاب للهيئة العامة للشباب، وأطلق من هناك مبادرة شبابية هدفها الاستفادة من خبرات المتقاعدين في المجالات المختلفة التي كانوا يعملون فيها. وكتب في خانة الرؤية: المتقاعدون أكبر من رواتبهم التقاعدية.أما هدف المبادرة:عندها سيضمن الشاب أنه سيكون مستقبلاً أخاه الشاب عند الكبر وسيضمن أيضاً ألا ينسى أكياسه البلاستيكية في يد أحد.كاتب كويتيmoh1alatwan@