من فضلك عزيزي القارئ ممكن توصلني إلى آخر الشهر، لأن الشهر طويل وأنا عندي روماتيزم في رصيد البنك! أو أن توصلني إلى آخر المقال لأني أخاف المشي وحيداً بين الكلمات.وحتى لا تمل سأحدثك عن موضوع شيق يسليك.يقول أعظم من كتب القصة القصيرة جداً على وجه الأرض الروائي الأصلع من الشعر إدواردو غاليانو في كتابه «كلمات متجولة»:تقول الكنسية: الجسد خطيئة...يقول العلم: الجسد (...)تقول الإعلانات: الجسد مشروع تجاري...يقول الجسد: أنا مهرجان!يا لها من قصة قصيرة جداً مليئة بالمتفجرات.بالتأكيد إن الجسد اليوم يعيش حالة «المهرجان» الرخيص الذي دُعي إليه كل من هب ودب على الأرض.فالوجوه لُطخت بأفقع ألوان الماكياج التي صنعها أفقع الرجال ليعرضها علينا أفقع النساء، وبعدما كان تلطيخ الوجه عقوبة في العصور الوسطى أصبح اليوم علامة على الجمال والذوق، وبعدما كان الماكياج منذ عصر الفراعنة وظيفته الأساسية هي إظهار وإبراز الملامح أصبح اليوم وظيفته هي إخفاء وتورية الملامح نفسها.يا له من خداع!!الجسد اليوم يعيش حالة «المهرجان» التجاري، حيث نرتدي ملابس تكون علاماتها التجارية أكبر من وجوهنا أحياناً، وأصبحنا مناديب تسوق للشركات والماركات التي نرتديها لكي نتجول في الساحات صارخين بصمت «انظروا بماذا لففت هذا الجسد... إنها علامة تجارية غالية الثمن».أما العلم فقد تعامل مع الجسد على أنه بلا حرمة، فالدين يقول إن كسر عظام الميت حرام لغير حاجة ضرورية، بل إنه يقول إن لجسد الميت حرمة، ولكن العلم والليزر يقولان شيئا آخر، يقولان إننا سنكسر أنوف الأحياء لكي نغير شكلها ونقص بعض عظام الفك لكي يكون أجمل، وسنحقن هذا الجسد بالسليكون والبوتكس لكي يكون أكثر إغراءً، وسندخل يدنا في الأمعاء لكي نستأصل منها ما يساعدك على أن تكون نحيفاً، أما الدهون فسنشفطها كما نشفط أوساخ الأرضيات.لقد أصبح الجسد مهرجاناً رخيصاً بالفعل!الإبر الصغيرة والمشارط الدقيقة ومواد غريبة وتفاصيل كثيرة يتم حشوها في أجسادنا... «ولآمرنهم فليغيرن خلق الله».أليس من أشد العقوبات في الإسلام هي قطع اليد للسارق بمعنى إزالة جزء من الجسد، وهي العقوبة ذاتها التي أصبحنا اليوم نمارسها اختياراً عن طريق إزالة أجزاء أخرى من الجسد نفسه؟إننا نعيش في حضارة تعاقبنا بالاختيار لمصلحتها ولا تعاقبنا بالإجبار لمصلحتنا. تأمل جيداً.ألا ترى أن هناك فرقاً كبيراً بين أفراد حضارة وثنية، الفراعنة كانوا يحافظون على أجسادهم بعمليات تحنيط وهم أموات لأنهم يؤمنون بالبعث والخلود... وأفراد حضارة مؤمنة وموحدة يغيرون أجسادهم وهم أحياء بعمليات تجميل جعلت أجسادهم خاضعة لمنطق السوق.إن أي طبيب تجميل لا يعجبه كلامي اليوم، عليه أن يقص هذا المقال ويستخدمه في إجراء عملية تكبير، على اعتبار أنه كلام فارغ قابل للنفخ.أعتذر بشدة لأي قارئ أو قارئة تم تحويل جسده لمهرجان، فأرجوك لا تأخذ الأمر بشخصانية، أحاول فقط أن أنقذ من تبقى من الجنس البشري في زمن زاد فيه النافخون في الجسد على حساب النافخين في الروح، في وقت انتهكت فيه مساحة الجسد لحساب مساحة السوق والإعلان.وقبل أن يخرج لي أي نافخ أو منفوخ من بين السطور ويمسك بتلابيب قميصي قائلاً: «حبيبي...لا تسوي روحك شيخ علينا»!حسناً... اترك القميص قبل أن أرفع عليك قضية.أين هم النافخون في الروح؟لقد انشغلوا بالسياسة وبمواد الدستور... فلا فلحوا في السياسة ولا في تطبيق الدستور، ولا فلحوا في الدعوة ولا تطبيق الشريعة.حالة من العرج تلك التي نعيشها اليوم.أعتذر للنافخين في الجسد وللنافخين في الروح وللطبيب النافخ وللزبونة المنفوخة على حالة عدم الثبات الانفعالي التي تناولت بها الموضوع، كطفل لا يحمل معه زاداً... سوى الدهشة!عموماً عزيزي القارئ ها قد وصلنا للنهاية، صحيح أنها ليست نهاية الشهر ولكنها نهاية المقال، أو بداية عصر قرر انتهاك أجسادنا لحساب الياقات البيضاء، فشكراً لك لأنك تحملتني إلى هذا السطر وسرت معي هذه الخطوات... وتستطيع أن تترك يدي الآن.واترك القميص لو سمحت.كاتب كويتيmoh1alatwan@
مقالات
خواطر صعلوك
الجسد... كمهرجان!!
04:41 ص