قل: أنت رجلٌ مُوَقَّر، مُكَرَّم، معزَّز... وقل: أنت رجل محترَماللغويون المتشددون يحرّمون قولنا: أنت رجل محترم. والصواب: موقَّر، مكرَّم إلخ... وحقاً لم يرد معنى، احترمَه، والاحترام، والمحترم... في كبريات المعاجم اللغوية القديمة. والمعجم الوسيط، «الجريء والجبان معاً» في اعتماد المسموع الشائع الذائع، ذكر كلمتين فقط من فيض شروحه للجذر «حرم» فقال: «احترمه: كرَّمه. ولسان العرب، على اتّساع شروحه لم يتطرَّق إلى هذا مطلقاً، فحرَّم على نفسه الخوض في المُحرَّمات اللغوية!من معاني الجذر «حرم»: حرّم الله الظلم على نفسه: تقدَّس عنه. وهناك المُحرَّمات في الشريعة وحُرُمات الله التي لا تنتهك بالمعاصي. والحَرَمان: مكة والمدينة. والحرَم الأقصى: بيت المقدس؛ وكلها بمعنى المقدّس والمحرّم انتهاكه. وحرَّم فلان الشيءَ على نفسه: منعَه. أحرمَ الشيءَ: جعله حراماً. وأحرم الحاجُّ أو المعتمِر: حرَّم على نفسه ما يحِل له قبل الإحرام. حَرُمت المرأة على زوجها: مُنِع من مسّها. والمُحَرَّم من الإبل: الصعب الذي لا يُرْكَب ظهرُه. والحُرَم والحُرُم: نساء الرجل المحرَّمات على غيره. والحريم: الذي حُرِّم مسُّه فلا يُدنَى منه.هل تتذكرون المسلسل التركي: حريم السلطان؟ وهذه المرأة حرَم الرئيس أي زوجته. والحُرمَة: المرأة عموماً والتي لا يحل انتهاكها. والحُرْمة: الذّمّة والمهابة. وهذا رجلٌ مُحرِمٌ عنك، أي يَحرُم عليك أذاه. تأملوا في «معاني المعاني» السابقة، واستشرفوا ما وراءها من ظلالات وإيحاءات، فاللغة ليست بمعنى اللفظ المباشر فقط! فعندما أقول لك: أنت رجل محترم؛ فأنا أعني أنك ذو مكانة يحرُم على الناس انتهاكُها، وأنك لست ذلولاً تنقاد لغيرك، كالإبل أو الحصان الصعب الذي لا يُركَب ظهرُه. وأنت ذو حُرمةٍ وحُرُمٍ وحُرَمٍ، وحريمٍ شريفات منزّهات لا يُنتَهَك لهن شرف... لذك أنا أُجلُّك وأوقِّرك لأنك ذو ذمّة ومهابة ووقار، وترفُّعٍ عن مسِّك بما يعيبك، ولهذا أُكرِّمك وأعِزّك، و...«أحترمك»! هل قرأتم قصة نجيب محفوظ «حضرة المحترَم»؟ الآن نتساءل: لماذا لم يُعَنونْها بحضرة الموقَّر أو المكرَّم، مثلاً؟ ببساطة: لأنه استجاب بذائقته اللغوية الجماعية الموروثة لجمال اللغة المسموعة من «العامة»! ولأنه «يحترم» المجهولين المبدعين الذين أدركوا سرَّ معاني المعاني من لغتهم الجميلة العبقرية.يُجيز لنا محمد العدناني في: معجم الأغلاط اللغوية المعاصرة أن نستعمل الفعل احترم ومشتقاته: «دون حذر أو خوف»! يا سيدي، الأمة التي تحذر وتخاف من تطوير لغتها بإغنائها إنما تحكم عليها بالجمود والاندثار... واللاتينية أمامنا شاهدة. فاتّعظوا!* شاعر وناقد سوري
محليات - ثقافة
خواطر تقرع الأجراس / قل و... قل
02:02 ص