اليوم سأدخل على المجتمع كلمة ومفهوما آخر مغايرا ومختلفا عما أجبرنا على تصديقه الإعلام والأطباء الذين تداولوه من دون النقاش بمعناه الحقيقي، إلا وهو «سن اليأس». والمؤسف أن يلحق هذا المسمى بكل امرأة تجاوزت الأربعين من عمرها. ولو بحثنا بمعنى كلمة يأس في القاموس، فهي تعني «القنوط... وهي حالة من فقدان الأمل وانقطاع الرجاء».أي أن على كل امرأة أن تستعد حينما تلج سن الأربعين، أن تكون زائرة مترددة على المستشفيات وتركن نفسها في زاوية من البيت لتشاهد الأفلام التركية، وتتحسر على ما مضى من العمر، وهذا غير صحيح وغير واقعي أيضا، ولا يمثل حال المرأة في هذه السن، لأن «اليأس» حالة قد تصيب الإنسان في أي عمر، وليس له علاقة بتوقف الإنجاب أو غيره عند المرأة.وهنا أتذكر المدربة العالمية لويز هاي، عندما وقفت أمام جمهورها الغفير، وقالت: «أنا للتو دخلت العقد الثامن من العمر، وأروع الأشياء عندما تتجلى أمامي بطريقة غير عادية، وقد اتخذت قرارا بأن هذا العقد سيكون أفضل عقد في حياتي».تخيلوا معي امرأة في الثمانين من عمرها تقول كلاما كهذا أمام المئات من الناس، وهي ممتلئة بروح التفاؤل والأمل اتجاه الغد، كيف تكون ردود فعل جمهورها؟ فقد ضجت القاعة بالتصفيق ووقفوا احتراما وتكريما لها ولجملتها هذه، لأنها لامست شعور أغلب الحضور وأوقدت في قلوبهم الحماس للعطاء والبناء الذي خلق الإنسان من أجله. وما قالته هذه المرأة ليس كلاما خياليا أو مجرد صف كلمات، بل كانت بقدر وحجم كلامها. فهي لا تزال حتى هذه الساعة تبني مستقبلها وتطلع للأفضل.وربما البعض سيقول: الأجانب أفضل منا في حياتهم بأمور عدة، وهذه المرأة واحدة من ملايين اليائسات!ولكن في الحقيقة ليس هذا هو السبب، لأن السبب الأساسي ينبع من الداخل. فالعطاء النابع من الحب، والرغبة في استكمال رحلة النجاح في الحياة، وديننا الذي يدفعنا إلى العمل حتى آخر لحظة من الحياة، كلها أسباب ذات قوة محفزة على رفع مستوى الطاقة الإيجابية والمحركة للتغيير والاعمار.وقد رأيت في بلدي من النساء الكثيرات اللاتي تخطين الأربعين والخمسين والستين أيضا ولا زلن بنفس العطاء والحماس والهمة في بناء الذات والمجتمع، بل زادت عند بعضهن الرغبة في تحقيق بقية الطموح والأحلام التي أجلت خلال الانشغال بالعمل، ولأن مساحة الحرية أصبحت لديهن أكبر، بعد أن كبر الأبناء وقلة المسؤولية.لذا أرجوكم لنبدأ بتغيير بعض المفاهيم الخاطئة والجمل السلبية التي أجبرنا على ترديدها، ولنمسح كلمة اليأس ونضع بدلا منها كلمة الأمل.أقول هذا الكلام بعد أن تفاعل كثير من المتقاعدين والمتقاعدات مع ندوة «المتقاعدون... عطاء مستمر» التي قدمها أعضاء جمعية المتقاعدين الكويتية، لاحتضان الطاقات والخبرات لدى كل متقاعد ومتقاعدة، ومتابعة مسيرة بناء الوطن. فالتقاعد حقيقة ليس إلا بداية للعطاء بشكل مختلف وجديد، وليس نهايته كما يصوره لنا الإعلام والمؤسسات الأخرى. وبما أن أغلب المتقاعدين ممن تخطى سن الأربعين، إذا فهو سن الأمل والحكمة والنجاح، وبما أن المرأة هي التي تشكل نواة المجتمع، وتؤثر تأثيرا كاملا عليه حينما تتحرك بكل طاقتها، فإن العناية بها مطلب اجتماعي، فهي طاقة لا يمكن الاستهانة بها، وبمقدرتها أن تغير الكثير.وكلنا أمل بعد الله بتلك الجمعية التي لديها الكثير من الطموح والأهداف، وأهمها احتضان الخبرات، وإنشاء نادي المرأة المتقاعدة، وتقديم الاستشارات، وفي تغيير كثير من المفاهيم الخاطئة اتجاه التقاعد، والمفردات السلبية المدمرة اتجاه مراحل العمر المتقدمة، فالإنسان يحيا بالعطاء والعطاء حياة.وكلمة أخيرة لكل امرأة «أنت جميلة في جميع مراحل عمرك»، وأجمل ما فيها روحك المعطاءة لمجتمعك، وقلبك الممتلئ بالحب وحنان الأمومة الذي تعودت عليه، فلتفيضي بالأمل... ولتبدئي بالحياة.