كان يوم جمعة، وقت الغداء في احد المطاعم المزدحمة المشهورة، كل الأمور كانت طيبة وهادئة حتى التفتّ على صوتٍ عالٍ وقريب جدا، صوت طفل في الثالثة عشرة من عمره تقريبا، يضرب أمه بعد أن صفعته لا شعوريا، لتهديده لها المستمر بالضرب ونعته لها بألفاظ غير لائقة ومستفزة جدا.خرج الولد بعيدا عن المطعم بسرعة والغضب في عينيه، وقلبي كأنه توقف لحظة من هول الموقف، اقشعر بدني، والتفت إلى الطاولة خلفي، خطوتُ خطوة إلى الأم الموجوعة، ضممتها فتشبثت بي، وهي تبكي كل ما في قلبها من وجع، تبكي كل شيء.تكلمت معها قليلا، سيدة محتشمة، محترمة، ملامحها هادئة. حاولت أن أبث الطمأنينة لقلبها، وقلت لها انه لا ذنب لها أبدا.وفهمت بأن لديها مشاكل مع والد أبنائها، وأنهم حاليا يعيشون معه وبرغبة منهم، وأنها تحاول كثيرا أن تتقرب إليهم أكثر وتتفهم حاجاتهم وترشدهم إلى الطريق الصحيح، وهي تراهم مرة واحدة في الأسبوع في مكان عام على أن يكون والدهم قريبا من مكان لقائهم! وفي كل مرة يستفزها ولدها حتى تمادى في ذلك اليوم كثيرا.شكرتني، «الناس للناس» قلت لها، وأخذت رقمها حتى أبحث لها عن مرشد اجتماعي وأسري متخصص يساعدها في الوصول إلى حل لمشكلتها مع فلذات كبدها. إنها تتغاضى عن كل شيء وتتغافل عن كل شيء حتى تراهم وتشعر بقربهم ووجودهم... إنها الأُم.الوالدان ياسادة... الوالدان يا سيدات.بعد الله، يحتمي العالم عند الوالدين، والأمان الذي أودعه الله في هذه الدنيا عند هذه المكانة العظيمة، عند هذا الوجود السخي جدا، عند «الوالدين».كتبت هذه الحادثة بطلب منها، تقول: لعل يقرؤها أحد أبنائها أو يتعظ منها كثر ولعل أحدهم يعرف معنى الأم ومكانة الأم.وكيف تفي السطور هذا القلب، قلب الأم.توقف قلمي لحظات ولحظات و أنا أحاول أن أصف هذا القلب، بما يليق ووجدت قلمي يكتب أن كل الحياة «أُمْ».مهما طال الدهر، مهما قسا القلب، وعندما تكون الحياة متاهة وعندما تتشعب الصعاب في الطريق، الأمان واسعٌ جدا و البراحات رحبة جدا عند قلب «الأُم».الرحم الذي ينجب «أُم» الدعاء الذي تفتح له أبواب السماوات «أُم» القلب الذي لا تغيره الظروف ولا المواقف «أُم».وتذكرت رواية مترجمة للانكليزية لكاتب ياباني قرأتها قبل فترة «please look aftermother»... اعتنِ بأمك جيدا.وتحمل رسالة لكل الأبناء بالانتباه لأمهاتهم قبل الفقد والرحيل، حيث لن تكون الحياة كما هي، بوجودها.وقرن ربيّ عبادته بالإحسان للوالدين، في آيات كثيرة في القرآن الكريم، وسأستشهد ببعض منها:«وَقضى رَبكَ أَلاَّ تعبدُواْ إِلاَّ إِياهُ وَبالوَالدَينِ إِحساناً»* (الإسراء:23)«وَاعبدُواْ اللهَ وَلاَتشرِكُواْ بهِ شيئاً وَبالوَالدَينِ إِحساناً»* (النساء:36)«قالَ إِني عبدُ اللهِ آتانيَ الكتابَ وَجعلني نبيا وَجعلني مبارَكًا أينما كنتُ وَأَوْصاني بالصلاَةِ وَالزَّكاةِ ما دُمتُ حيا وَبرًّا بوَالدَتي وَلمْ يَجعلني جبارًا شقيا» (مريم: 30-32).كونوا قريبين من آبائكم وأمهاتكم، مثلما كنتم تحت أجنحتهم الرحيمة، صغارا... كونوا قريبين، لا غريبين!Twitter:hebaalebrahimInstagram:hebapoetry
محليات - ثقافة
بحر الكلمات / الأُم... الأَب والعالَم!
06:18 ص