لم تكن الانتخابات التي شهدها الأردن قبل أيام حدثاً عابراً بمقدار ما أنها كانت تعبيراً عن تجربة مختلفة، في المحيط العربي، مبنية على الاستمرارية القائمة منذ تأسيس المملكة. إنها استمرارية في ظل دولة المؤسسات التي بناها الملك الحسين وحافظ عليها وطورها الملك عبدالله الثاني. استطاع الملك عبدالله الثاني القول من خلال الانتخابات لكل من يعنيه الأمر إن المملكة دولة مؤسسات، قبل أي شيء آخر، وإن المملكة ليست في حاجة إلى قمع الإسلاميين لإرسال رسالة فحواها أن البديل من النظام هو التطرف الإسلامي وأن بقاء الدولة مرتبط إلى حد كبير بالسماح لها بقمع الإسلاميين. في الأردن، لا حاجة إلى قمع الإسلاميين، بل هناك إصرار على استيعابهم. كل ما في الأمر أن الإسلاميين في المملكة أخذوا حجمهم الطبيعي ولا حاجة إلى مزايدات من هنا أو هناك ولا حاجة إلى المتاجرة بهم كما يحصل في بلدان أخرى. وبكلام أوضح، لا حاجة للنظام إلى اللجوء إلى التهديد بأن البديل منه هو نظام إسلامي متطرف كي يكون العالم مدافعاً عن النظام. لا حاجة إلى مثل هذا النوع من الاستعطاف الدولي مادام النظام يستمد شرعيته من مكان آخر هو الشعب بذاته الذي أقبل على صناديق الاقتراع بكثافة، ففاز من فاز وسقط من سقط، من دون أن يعني ذلك أن التجربة الانتخابية في الأردن مثالية وأنه لا وجود لثغرات لا بد من سدها عاجلاً أم آجلاً. على العكس من ذلك إنها تجربة في قيد التطوير لا يزيد عمرها على عشرين عاماً، علماً بأن البدايات كانت في الخمسينات من القرن الماضي، لكن الظروف الإقليمية لم تساعد وقتذاك في إنضاج التجربة التي كان الحسين متعلقاً بها إلى حدّ كبير. في المملكة الأردنية الهاشمية، ليس في استطاعة الإسلاميين وغير الإسلاميين المزايدة على أحد. في حال كان هناك من يتحدث باسم الإسلام، فإن من يحق له أن يفعل ذلك هو سليل الهاشميين عبدالله الثاني الذي لا يستطيع أحد إعطاءه دروساً في الدين الحنيف وكيفية المحافظة عليه. إنه ابن أبيه، ابن الحسين الذي قال في إحدى خطبه إن هناك كثيرين يتحدثون عن العودة إلى الإسلام في حين أن علينا «التقدّم بالإسلام» الذي هو في واقع الحال دين متطور وعصري ودين التسامح. المهم ألا عقد في الأردن. هذه كانت رسالة الانتخابات. وهي رسالة أثبتت أنه ليس في استطاعة الإسلاميين إلى أي اتجاه انتموا إعطاء دروس في الإسلام وفي كيفية تطبيق الإسلام.يمكن إعطاء تفسيرات مختلفة للأسباب التي جعلت الإسلاميين يتراجعون في الأردن ويحصلون على عدد من المقاعد أقل من تلك التي حصلوا عليها في الانتخابات السابقة. من بين الأسباب الانقسامات الداخلية التي تعاني منها الحركة الإسلامية والخطاب السياسي الذي لا علاقة له سوى بشعارات لا تنطبق على الواقع لا من قريب ولا من بعيد. وتبين مع مرور الوقت أن الشعارات الطنانة لا تطعم خبزاً ولا تصنع سياسة ولا تحقق انتصارات على العدو الإسرائيلي. كذلك، يمكن تفسير ضعف الحركة الإسلامية بتكشف الدور الذي تلعبه «حماس» في الضفة الغربية، خصوصاً في قطاع غزة حيث نفذت انقلاباً على السلطة الشرعية الفلسطينية،. لم يعد يوجد من يمكن إقناعه بأن انقلاب «حماس» غير مرتبط بأجندة إيرانية أو إيرانية سورية تصب في عملية استخدام الشعب الفلسطيني وقوداً في الصراعات الإقليمية...ولكن يبقى ما هو أهم من ذلك كله، أن الانتخابات الأردنية تندرج في سياق الأجندة ألأردنية أولاً. إنها تعبير عن استيعاب الأردنيين لمعنى شعار الأردن أولاً. وفي حال كان مطلوباً الذهاب إلى أبعد من ذلك، يمكن الإشارة إلى أن عودة الحياة النيابية إلى المملكة جاءت في العام 1989 من القرن الماضي. قرر الملك الحسين، رحمه الله، أن تكون هناك انتخابات نيابية في الأردن في وقت كان العالم يتغيّر. استشف العاهل الأردني الراحل وقتذاك معنى التغيرات وعمقها وكان أول ما فعله العمل من أجل المحافظة على الأردن وحمايته بوسائل مختلفة. وليس صدفة أن الانتخابات جرت بعد نحو خمسة عشر شهراًَ من قرار فك الارتباط بالضفة الغربية. اتخذ القرار في يوليو من العام 1988 وكان إشارة واضحة كل الوضوح إلى أن المملكة الأردنية الهاشمية لا تمتلك أي أطماع في الضفة الغربية. والحقيقة أن قرار فك الارتباط كان بمثابة حجر الزاوية لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة التي لا يزال الفلسطينيون يحلمون بها. وهو قرار لم تحسن قيادة منظمة التحرير توظيفه بما يخدم قيام الدولة لأسباب تحتاج إلى أكثر من مقال وتوضيح.كان موعد الانتخابات الأولى التي تقتصر على الضفة الشرقية، أي على الأردن بحدوده الراهنة، في الثامن من نوفمبر 1989 أي قبل أربع وعشرين ساعة من سقوط جدار برلين. كان سقوط الجدار الحدث التاريخي الأبرز في الأعوام العشرين الأخيرة من القرن العشرين وكان مؤشراً إلى انهيار الاتحاد السوفياتي. وحده الملك الحسين، استطاع التقاط ما يدور في العالم من تحولات وعمل على التأقلم معها وتوظيفها في خدمة الأردن والشعب الأردني بكل فئاته. أراد تعويد الأردنيين وتعريفهم على العالم الجديد، عالم ما بعد انتهاء الحرب الباردة. شاء ذلك عن طريق الانتخابات والتوجه إلى صناديق الاقتراع وإقامة حياة سياسية مبنية على التعددية الحزبية، كما في أي بلد متحضر في العالم.لم تكن الانتخابات الأردنية الأخيرة سوى حلقة في سلسلة مترابطة تصب في قيام دولة المؤسسات. في النهاية، نجحت المؤسسات في تأمين الانتقال السلس للسلطة عندما غيّب الموت الملك الحسين في العام 1999. حصلت عملية الانتقال على نحو أكثر من طبيعي. إن دولة المؤسسات تعني وجود مشروع سياسي واقتصادي في الأردن وهي تعني قبل أي شيء آخر أن النظام يحمي نفسه بنفسه عن طريق الشرعية التي اكتسبها عبر الشعب وليس عبر أي نوع من الانقلابات، كما في أنحاء أخرى من العالم العربي. ولذلك لا حاجة إلى من يزايد على الآخر في أي حقل من الحقول أو مجال من المجالات. من لم تعجبه نتائج الانتخابات الأخيرة عليه أن يجهد لتحسين وضعه في الانتخابات المقبلة. تلك هي العملية الديموقراطية التي بدأ الأردنيون التعود عليها. إنها عملية يحتاج ترسيخها إلى وقت طويل. من يتذكر أن الإقبال على صناديق الاقتراع في الانتخابات الأولى كان ضعيفاً وأن الملك الحسين وقف في المؤتمره الصحافي الذي علق فيه على نتائج العام 1989 وقال: «من لم يصوت، ذنبه على جنبه»...بعد ثمانية عشر عاما على هذا القول، لم تعد هناك مشكلة إقبال على صناديق الاقتراع في الأردن. ما حصل قبل أيام كان خطوة أخرى في رحلة طويلة تستهدف تكريساً لمبدأ الانتخابات على طريق خلق حياة سياسية سليمة في الأردن الحديث.
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن