ما أن قرأت كتاب فريد الدين العطار «منطق الطير» حتى بدأت أفكر في «منطق الطفل».كيف تعمل البنية العقلية المنطقية للطفل؟...عندما يشاهد طفل طفلا آخر بمثل عمره أو أصغر منه يتألم في السرير المجاور له في المستشفى فهو لا ينتقل به خياله لجنسيته أو دينه أو حتى أين ولد.. إنه يتقمص وعيه في الألم، ويتساءل بنفسية جعلت الأطفال أحباب الله حقاً (ترى بماذا يشعر؟ومتى سيبكي؟).. ثم يشعر بالخوف.منطق الطفل خالٍ من الشوائب، خالٍ من الألوان.. منطق لا يرتدي النظارة الشمسية عندما يحدق في الشمس.عندما يسمع الطفل لهجة أخرى غير تلك التي يتكلمها فإنه لا يبدي اهتماما بكونها معياراً ومقياساً للتصنيف الطبقي أو التقسيم الاجتماعي.حسناً.. في الواقع الطفل لا يعرف شيئاً عن التصنيف الطبقي أصلاً، ولا يعرف كلمة اجتماعي! ولن يهتم بعدد فناجين القهوة أو أكياس التبغ التي شربها ماركس ليكتب (رأس المال).ولكنه يعرف جيداً أن عليه أن يتواصل.. حتى اللغة أو اللهجة لا تمنع الأطفال من التواصل.الطفل يسأل الخادمة عن بلادها العظيمة في نظره.. وعن الأشجار والأنهار التي كانت تلعب بجانبها، وعما إذا عضها كلب في يوم من الأيام، وعن أبنائها وأعمارهم وعما إذا ما كانوا يذهبون للمدرسة، ثم يقتسم معها قطعة حلوة ويقول لها (هذه من أجلهم).. دون أن يفكر ولو للحظة واحدة في أنه ابن الكفيل!!هل قلت لكم من قبل أن الأطفال أحباب الله؟الطفل يحب أن يشاركه الآخرون الدواء طالما أنهم يشاركونه الألم.. ربما يسمع من أبيه أو من التلفزيون أننا غير مسؤولين عن كل مرضى العالم، وأن هذا يشكل هدراً ما.هو لا يفهم كلمة (غير مسؤولين) ولا يفهم كلمة (هدر).. يريد أن يبقى طفلاً.نسمي الطفل (جاهل) ولكن ننطقها (ياهل).. لطالما كانت (الجيم) ثقيلة على الكويتيين..بثقل الجبل وعناد الجمل وألم الجرح وكرهاً في الجشع والجور والجريمة والجرب والجيفة.. فجعلوا الجيم أحياناً لينة كجذع.يحبون الجمال ويحبون الجيران ويحبون الجميع ويحبون الجسور.. هم لا يكرهون (الجيم) هم يكرهون القسوة في بعض كلماتها.لذلك جعلوا جاهل (ياهل).اليهال..أحباب الله!!يخاف الطفل من جميع أصحاب الرداء الأبيض، يخاف الطبيب المختص والممرض والمعالج والاستشاري والحاصل على البورد الكندي والحاصل على دورات في التنمية البشرية، بنفس الدرجة دون تفاضل بينهم.. يخافهم جميهم ويحترمهم في الوقت نفسه، في المستشفى لا يركز الطفل أصلاً على اللغة أو في عملية التواصل.. إنه يريد أن يخرج فقط، ولا يفكر في من ستكون له أولوية الدخول!البندول للوافدين.. والمضاد الحيوي للمواطنين.. هو لا يريد لأحد أن يمرض أصلاً!عندما يسمع كلمة (وافدين) يعتقد أنهم كائنات فضائية!!عندما يدخل ابني متجراً للحلوى، يعتقدها الجنة، وتحفر في ذاكرته صورة وجه البائع الإيراني المبتسم طوال الليل والنهار.. ولكن عندما يسمع أنه أحد الكائنات الفضائية سيخاف منه كأنه طبيب!سيخاف من معلميه المصريين ومن أبناء جارنا اللبناني ومن تلك الأم الباكستانية التي تبتسم له دائماً، ومن العمال البسطاء في الشوارع، وسينظر بريبة لعامل النظافة الذي في شارعنا ويطلب منه أن ينزع قناعه البشري ليريه وجهه الفضائي الحقيقي!!يسأل حارس البيت الذي نسكنه أين مركبتك الفضائية؟سيكره كل التنوع الموجود في حياته.يا إلهي.. إنها نغمة خطيرة تلك التي تسمعها الآن يا بني. نغمة لا يتحملها منطق طفل.هل حدثتكم عن منطق الطير..ماذا كان عذر الببغاء؟أقبلت الببغاء وفمها مملوء سكراً، أقبلت مرتدية حلة فستقية وطوقا مذهباً، حتى أصبح الصقر بعوضة أمام عظمتها، وحيثما وجدت الخضرة فهي وليدة جناحها، وإن فتحت فمها متحدثة تناثر السكر، إذ إنها تستيقظ منذ السحر على أكل السكر.قالت: إن كل قاسي القلب عديم الإنسانية أقام لأمثالي قفصاً فولاذياً، فظللت أسيرة هذا السجن الفولاذي أذوب شوقاً إلى ماء الحياة... فمتى أستطيع ارتشاف ماء الحياة؟قال لها الهدهد:يا من عدمت السعادة، ليس شهماً من لا يبذل الروح نثاراً، لقد منحك الله الروح لتكوني نثاراً، ولكي تسنح لكِ لحظة مواتية مع الحبيب، عليك بطلب ماء الحياة من روح الحبيب، وإلا فامضي وما أنت إلا قشر عديم اللب، أما إن شئت أن تفدي الحبيب بالروح، فكوني كالرجال، وفي طريق الأحبة انثري الروح.هذا ما قاله فريد الدين العطار قبل أكثر من 800 عام هجري.الدول لا يديرها الأطفال.. ولا الطيور.نحن الكبار لا نعرف منطق الطير.. ولا نفهم منطق الطفل.نحن كبار جداً وعمالقة.. للدرجة التي جعلتنا لا ننظر لشيء أصلاً أثناء الإدارة.نحن كبار وعمالقة وراسخون في الأرض للدرجة التي جعلتنا ننسى أننا جميعاً وافدون على باب اللطيف الخبير.أيها الكبار جداً.. عالجوا الهدر الطبي ورمموا الهرم السكاني.. ولكن بطريقة الكبار فعلاً، ليس بعصبية طفل أو لامسؤولية طير.كاتب كويتيmoh1alatwan@