لم ينس الشاب الكويتي علي المبارك (الطراقات) من مدرسه ووالده حين كان طالباً، ليس لأنه مهمل أو غير مهتم بتحصيله الدراسي، بل لأنه كان ذكياً وشديد الملاحظة، إذ توقع له المدرس أن يكون له شأن في المستقبل.وحين لاحظ الطالب الذكي أن المدرس يبالغ كثيرا في تأنيبه وأحياناً ضربه، اشتكى لوالده لوضع حد للمدرس، فجاء إلى المدرسة، وحين دعي المدرس لمقابلته عرف سبب طلب الأب فبادره بالقول «ابنك...» لكنه ذكي وله مستقبل، وشرح له أسباب ما يقوم به معه، فما كان من الأب إلا أن نهض من مقعده وناول ابنه «طراق» وانسحب وسط دهشة المدرس.هذه الحادثة (الطراق) على قسوتها بالنسبة له، شكلت نقطة تحول في حياة المبارك حين اشتد عوده، وبات يدرك مسؤوليته ودوره في المجتمع، وبعد الفحص والتمحيص تبين له الحاجة الماسة لمهنة الحرفي بين جيل الشباب والمجتمع عموماً، فخرج بمبادرة «للحرفيين»، بعد أن جمع كما كبيرا من المعلومات والإحصاءات، استقاها من مصادرها العديدة مثل الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب.ولم يعجب علي المبارك حامل شهادة الهندسة حال الشباب الكويتي، فهو يريد تغيير ثقافة هذا الجيل والتركيز خصوصاً على «الثقافة الحرفية»، التي ولدت أصلاً عبر تاريخ الكويت في بناء اقتصادها، إذ كانت مهنة الحرفي جزءاً أساسياً فيه، وجاء اكتشاف النفط ليغير المشهد وتتغير معه توجهات المجتمع، الذي بات يعيش برفاهية لم تتوافر له قبل النفط، ما غير وضع الاقتصاد إلى أحادي الجانب هو النفط.ذكر المبارك لـ «الراي»: «بدأنا نفقد قيمة العمل الذي تبنى عليه دول، وأصبح تركيز شبابنا الحصول على الشهادة التعليمية، ثم البحث عن وظيفة، أي وظيفة كهدف قائم بغض النظر عن التخصص».ولفت إلى أن المجتمع الكويتي لا يعرف ثقافة الحرفي، وحتى لم يفكر فيها، ليسد الوافدون الفراغ في هذه المهنة ويلبوا احتياجات المجتمع، مبيناً أن هذا السوق غير منظم ويكاد يتركز في غالب الأحيان لدى شريحة تجار الإقامات.وتابع المبارك أن مخرجات التعليم خصوصاً من المعاهد الفنية مثل «التطبيقي»، لا تتطابق مع حاجات ومتطلبات السوق الحرفي، وهي إحدى الثغرات التي تسهم أيضاً في عدم الاهتمام بهذه المهنة.ويصف أهداف مبادرته بأنها اقتصادية وسياسية واجتماعية، أما كونها اقتصادية فهي محاولة لتغيير تفكير جيل الشباب باتجاه العمل الحر، وخلق سوق للحرفيين خاص بالكويتيين يغنيهم عن البحث عن وظيفة حكومية، إلى جانب خلق طبقة وسطى في المجتمع تساهم بالاقتصاد الوطني، وخلق معاييرعالمية في سوق الحرفيين المحلي.ورأى أن الهدف السياسي من المبادرة يتعلق بتغيير ثقافة المجتمع وتوعيته، من خلال اهتمام الدولة والمسؤولين بهذا النوع من العمل، في حين يتمحور الهدف الاجتماعي حول تغيير ثقافة جيل الشباب وتوعيته بأهمية ممارسة الحرف المختلفة كواحد من أساسات الاقتصاد الوطني، وخلق جيل يقدر قيمة العمل الحر.ويسوق المبادر علي المبارك مثالاً على ما يراه التجربة الأسترالية خلال حقبة الستينات، عندما أرادت السلطة هناك بناء الدولة فكان عدد المهندسين فيها عاليا جداً، ما اضطر الحكومة إلى تغيير مناهج التعليم من تعليم تقليدي إلى مهني وحرفي، لسد ثغرات الحاجة إلى الحرفيين ودعماً لرؤية المسؤولين بأن ذلك يساهم في بناء الدولة، وفسح المجال للقطاع الخاص الاسترالي ليقوم بدوره في هذا الشأن، وإعداد جيل من الحرفيين يساهم في تنفيذ المشاريع وبناء الدولة، ما يثبت أهمية الحرفيين في بناء وتطويرالدول.وكشف عن نجاح الحكومة الاسترالية في توفير أعداد كبيرة من الحرفيين ساهمت في بناء وتطوير الدولة، حتى أنها باتت تستعين بمهندسين من دول أخرى لسد النقص لديها، بعد أن كان عددهم لديها فائضاً.واعتبر المبارك أن ما يحصل في الكويت حالياً هو عكس ما يحصل في استراليا، بحيث يوجد كثير من المهندسين لكن لا يوجد حرفيون، وهذا ما تحتاج اليه الدولة وبإلحاح حالياً.ويعزو المبارك معاناة السوق الكويتي من ندرة الحرفيين والفنيين الكويتيين كالنجارين والكهربائيين والحدادين وفنيي الأعمال الصحية، إلى تقاعس الجهات المختصة في عدم تركيزها على تخريج دفعات من الفنيين والحرفيين، وتمكينهم بأحدث الأساليب والوسائل الفنية الحديثة، لتلبية احتياجات سوق العمل الحرفي، كما يعزو أسباب حدوث المشكلة أساساً إلى تقلب الأسعارللخدمات الحرفية، التي لا تشكل عامل جذب بالنسبة الى الشباب، وضعف مخرجات المعاهد الفنية من «التطبيقي» وعدم تطابق أعداد الطلبة المسجلين والخريجين مع حاجات ومتطلبات السوق المحلي الحرفي.ونوه بعدم وجود سوق حرفي وفني للكويتيين، بالاضافة إلى أسباب أوجدها تجار الإقامات، والثقافة المجتمعية السلبية تجاه قيمة العمل الحرفي، مؤكداً أن السوق محتكر من قبل الأجانب وغير منظم مطلقاً ويكاد يكون مكوناً من مافيات وجنسيات معينة.ويقارن المبارك في إحصائيات حصل عليها من الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، ضمن مبادرته، نسبة الطلبة المستجدين بالمقارنة بين عامي 2013 و 2015، مبينا أن نسبة الطلبة المستجدين في العام 2013 في التدريب الصناعي 72 في المئة، والحرفي 3 في المئة، والمهني 7 في المئة وفي مجال الماء والكهرباء 18 في المئة، في حين بلغت النسب للتخصصات ذاتها في العام 2015، نحو 4 في المئة للتدريب الصناعي، والحرفي 12 في المئة والمهني صفر في المئة، وفي الماء والكهرباء 84 في المئة.وذكر أن الحل في تجاوز هذا الخلل يتمحور حول تفعيل القوانين على تجار الإقامات، ووضع آلية لمراقبة جودة خدمة هذه الشريحة، وتحسين ورفع مستوى العمالة الحرفية الكويتية، وخلق وعي بأهمية الأعمال الحرفية.وأضاف أن المستفيدين من الحل هم الحرفيون الكويتيون، من خلال الحصول على تعليم فني من منظمة عالمية مختصة في هذا المجال ولها اعتمادات عالمية، والحصول على تعليم إداري ومالي من جهة معتمدة، وتفضيل الحرفي الكويتي على غيره في المناقصات والخدمات الحرفية، ما من شأنه زيادة القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.ولفت إلى أن دورالدولة في هذا الاتجاه ينحصر في تقديم الدعم، من خلال الصندوق الوطني أو دعم العمالة، والحصول على دعم ورعاية من الديوان الأميري.وتابع المبارك أن آليةالعمل في هذا الشأن تتمحور حول قيام جهة حكومية برعاية هذه المبادرة، وإنشاء إدارة للمبادرين الحرفيين، وتدريب وتهيئة العمالة الحرفية من قبل جهة دولية معتمدة، وإدارة ورش عمل المبادرين وإدارة العمال، وتخريج الدفعات منهم، وإنشاء شركات حرفية بإدارة وتنفيذ من قبل أيدٍ حرفية كويتية.
اقتصاد
طالب الجهات الحكومية بتبنيها لتنويع مصادر الدخل
علي المبارك يطرح «مبادرة الحرفيين»: القطاع يعاني من نقص مخرجات التعليم
09:37 ص