في مساء يوم السبت الموافق 14 ديسمبر 2002، أدرت ندوة في ديوان العائلة بمنطقة السالمية كانت بعنوان «نبذ الطائفية». وكان من بين المتحدثين فيها النائب الحالي - الناشط الحقوقي في حينه - خالد الشطي. تميز الشطي - في كلمته - بالبصيرة السياسية عند تحليله لمسببات ومعززات الاحتقان الطائفي المحلي، حين ربطه بالتطورات السياسية المحلية والإقليمية. كما أبدع في عرض رؤيته لمجتمع كويتي تعددي ينبذ الطائفية، وأتقن في بيان منهجيته الإصلاحية المتكاملة لاجتثاث التمييز الفئوي من ثقافة وسلوك المجتمع.وبعد مرور ثلاث سنوات ونيف من عدم استجابة النواب لمناشداته الإصلاحية، قرر الترشيح لانتخابات مجلس الأمة، وكان ذلك في عام 2006 تحت شعار «صوت المضطهدين». وقد تميز خطابه الانتخابي بالمصداقية والشفافية في بيئة انتخابية تعاني من ازدواجية مزمنة في الخطابات الانتخابية، حيث ان مضمون الحملات الانتخابية مع الخواص وأبناء الطيف الاجتماعي، يتناقض مع شعاراتها المعلنة في الصحف والمقار والطرقات.توجست الاجنحة الانتخابية المرتبطة بقوى الفساد - وخاصة تلك التي توظف الفتن الطائفية - من اطروحة الشطي، فاستنفرت طاقاتها لخلق رادع يمنع وصول رسالته إلى عقول الناخبين، فاتهمته بالطائفية! وفعلا نجحت بامتياز في الصاق تلك التهمة به قبل وصول خطابه إلى مسامعهم، فالعديد ممن حكموا على الشطي بالطائفية لا يعرفون شواهد ومباني ذلك الحكم.في الصفحة الأولى من احدى نشراته الانتخابية في الحملة نفسها، تجد مقالا بعنوان «صوت كل مضطهد». جاء في مقدمته «قد يتبادر للبعض، وقد يحلو للبعض الآخر ويناسبه (!) أن يصرف ما نريده ونقصده من المضطهدين في شعارنا صوت المضطهدين، يصرفه إلى الشيعة بالخصوص. وذلك إما لتغليب الشاخص الأبرز والمصداق الأتم، أو لقرائن منطقية وعملية تجعل من الطبيعي أن يقدّم الأهم على المهم والأكبر على الأصغر، وما إلى ذلك من أسباب وتحليلات... ولكن الحقيقة: أننا صوت لجميع المضطهدين من أي مذهب وطائفة وقبيلة كانوا. والمضطهدون ليسوا ضحايا الطائفية فقط، إذ هناك ضحايا لتمييز طبقي مقيت يقسم الكويتيين إلى أصيل وبيسري، حضر وبدو، تجار وفقراء، برجوازيين ودخل متوسط ومحدود ومُحدَثي نعمة... وهناك ضحايا لتمييز عرقي يقسم الكويتيين إلى عجم ونجادة وحساوية وبحارنة وزبارة وكنادرة وقبائل... هناك نظرة تقفز على القانون والدستور والواقع».ولكن للأسف هذه المقالات والأطروحات لم تصل إلى معظم الكويتيين أو أنها وصلت إليهم مشوّهة.في الواقع المشكلة أكبر من مجرد تشويه صورة اصلاحيين مناهضين للتمييز، لأن قوى الفساد حرّفت تعريف الطائفي لتحمي من يتبنى التمييز الطائفي باسم الدين، ولتبرئ من يتقاعس عن مواجهة الطائفية المقيتة، وفي المقابل شمل التعريف المحرّف وضم كل من يستنكر التمييز ويطالب بالتصدي له!«صوت كل مضطهد»، لم يكن مجرد مقال في نشرة انتخابية، بل عقيدة سياسية التزم بها الشطي منذ بداية نشاطه الحقوقي، قبل التفكير بخوض الانتخابات كمرشح. وقد تجسدت هذه العقيدة في تطوعه بالدفاع عن العديد من ضحايا التمييز، وتشكلت في تبنيه للثوابت الوطنية في اطروحاته وأنشطته السياسية، وتجلّت في أول لقاء تلفزيوني معه بعد فوزه بعضوية المجلس المبطل الثاني، حيث تعهد فيه بالدفاع عن جميع شرائح المجتمع، «سواء كانوا سنة أو شيعة أو حضرا أو بدوا». وأضاف: «إذا كانوا ابناء القبيلتين، وهما قبيلة المطران الموقرة وقبيلة العوازم الموقرة، ليس لديهم ممثلون في هذا المجلس، فإن أية مظلمة تقع عليهم، سوف أكون أنا لسانهم في داخل المجلس، وراح أدافع عن حقوقهم إذا أحد انتهك أي حق من حقوقهم التي كفلها الدستور الكويتي». وأكد أن تعهده يشمل أبناء القبائل الأخرى والمكونات الأخرى للمجتمع الكويتي، بكل طوائفه حتى «لو كانوا من دين آخر».وكذلك، في المجلس الحالي، تقدم الشطي قبل أيام باقتراح بقانون من شأنه تكريس الدولة المدنية، حيث طالب بإلغاء البند 5 من المادة 4 من المرسوم الأميري رقم 15 لسنة 1959 بقانون الجنسية الكويتية، لأنه يحرم غير المسلمين من الحصول على الجنسية الكويتية بالتجنس مهما قدموا من خدمات جليلة للبلاد! أتساءل: هل يبادر الطائفي بإعطاء الآخر ما خصت به شريحته الدينية من ميزات؟لا شك أن هناك أشخاصاً آخرين عانوا كما عانى الشطي من قوى الفساد، ولكنني اكتفيت بعرض حالته لأنني كنت شاهدا عليها.ما يهمني في هذا المقال هو تبنيك والمجتمع لمؤشر جديد لقياس الطائفية، ألا وهو النهج المدني. فكلما زاد حرص الشخص على ترسيخ الدولة المدنية، كلما كان أبعد من شبهة المفاضلة بين الناس على أسس فئوية، والعكس صحيح. فعوضا عن تصديق ما يصل إليك عن طائفية بعض الشخصيات العامة، احرص على متابعة أنشطتهم ثم تحليلها وتقييمها وفق معايير الدولة المدنية. واعلم أن حولنا الكثير من المعارف ممن يجوّزون لأنفسهم التلفيق على الآخرين لأسباب متنوعة، من بينها الدوافع المالية والانتخابية والدينية... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com