يعرّف علماء الاجتماع الخرافة بأنها ذلك الاعتقاد الذي يقوم على مجرد أوهام من غير وجود أي دليل علمي أو منطقي يؤكدها أو يدعمها، ولطالما ارتبطت الخرافات بفلكلور الشعوب حيث تمثل إرثًا تاريخيًا تتناقله الأجيال. وعلى الرغم من كل التطور المعرفي والتقني في العالم إلا أنه لا زال الكثير من الناس يؤمنون ببعض الخرافات الطبية، وأشد ما يجعل هذا الموضوع مهما هو اعتقاد الكثير من المتعلمين بهذه الخرافات ويقينهم بأهميتها حتى وصل الأمر إلى أنه قد استفحل في وسائل التواصل الاجتماعي وما تبع ذلك من أذى بليغ قد يتعرض له الباحثون عن العلاج بأي ثمن.ولعل الطب الشعبي هو من أحد الموضوعات التي تعتبر الأكثر جدلا بين الناس والذي يمارسه مجموعة من الأشخاص الذين استهوتهم هذه المهنة وما تدره لهم من أرباح مالية مجزية، في حين أن القليل منهم من امتهن هذه الوظيفة عن علم ودراسة.وقد يقول قائل أن الطب الشعبي مجرب على مدى العقود الماضية وإن كانت وسائلهم لا تنفع فهي لن تضر، وهنا يكمن مربط الفرس فلقد أعطى أولئك لأنفسهم القدرة على تحديد الفوائد والمضار بدون أي دليل علمي إلا بعض الخرافات التي جمعوها من هنا وهناك.وبالتأكيد أنا لا أنفى الجدوى العلاجية للكثير من طرق العلاج الشعبية ولكن ذلك يجب أن يكون مستندا لأدلة علمية قاطعة حتى لا يقع ما لا يحمد عقباه، ويكمن الخطر الأساسي في الخلطات التي يتم فيها جمع العديد من الأعشاب وبطرق بدائية قد تجعل من هذه الأعشاب سما يقضي على من يتناوله أو ينتهي به المطاف في المستشفى.نجحت هذه التجارة في استقطاب العديد من المرضى وخاصة بعد فشلهم في الحصول على العلاج الشافي لأسقامهم وآلامهم في العيادات الطبية فانفتح الباب على مصراعيه لكل من يرغب في جني المال بطريقة سريعة، فاقتحم هذه المهنة العديد من الدجالين وأصحاب المآرب الغير إنسانية، وأنا شخصيا لا ألوم مرتادي المعالجين الشعبيين ذلك أن «صاحب الحاجة أرعن» كما يقول المثل العربي الشهير، فهو لن يتردد من شدة آلامه في اللجوء لأي وسيلة للتخلص من معاناته المزمنة.ولقد اقترنت مهنة الطب والعلاج الشعبي بالعديد من الخرافات على مدى عشرات القرون من بداية الخلق على هذه البسيطة وإلى أن يرث الله وما عليها، وقد جاءت لاحقا السنة النبوية الشريفة لتكون الباب الذي نفذ منه أولئك المتسللون فاستعملوا الطب النبوي غطاء يخدعون فيه عامة الناس وبعض خاصتهم فأضافوا له ما أضافوا وخرجوا عن جادة الحديث النبوي الشريف والذي لا ينطق عن الهوى، حتى وصل الأمر إلى تزاحم الناس عليهم بشكل يدعو للقلق وإعطاء المواعيد لمراجعيهم والتي تمتد لأسابيع طويلة من كثرة مريديهم والباحثين عن الآمال الضائعة.هذا الوضع قد تطور لنوع آخر من الخرافات الطبية الحديثة التي واكبت التطور الإنساني في كل المجالات، وبدأنا نسمع أو نقرأ عن علاجات خاصة بمرض السكري والضغط وأمراض الكلى وأنواع السرطان المتعددة وتحديدا سرطان البروستات عند الرجال والثدي عند النساء.. وهذا هو أول الغيث وسيتبعه في السنوات المقبلة أصناف متعددة من الأوهام التي يبيعها ذلك النفر للناس وما لها من آثار كارثية على الوضع الصحي لدى أفراد المجتمع.ويشكل الدور الذي تقوم به وزارة الصحة في توعية الناس هو أول الحلول في زيادة الوعي الصحي لدى كافة طبقات المجتمع، إلا أن هذا الدور لم يكن وحيدا فلقد ساندته وزارة التربية والإعلام وبعض الهيئات الحكومية العامة ومؤسسات المجتمع المدني في محاربة هذه الآفة. وفي السنوات الأخيرة بدأت ظاهرة صحية جديدة وهي تبشر بالخير من خلال نشر المعلومة الطبية الصحيحة وذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدا تطبيق الانستغرام حيث بدأ الأطباء المتخصصون بولوجه وبث رسائلهم الطبية بشكل استقطب اهتمام العامة وأزاح الكثير من الجهل عن العديد من العلل والأمراض وكيفية علاجها.لم يقف الأمر عند هذا الحد بل بدأت مجموعة من الأطباء الكويتيين في محاربة هذه الظواهر من خلال مجموعة من الكتب القيمة والتي كتبت وطبعت بطريقة عصرية تواكب مستوى القارئ الباحث عن الحقيقة.ويعتبر الدكتور أحمد عبدالملك من أكثر الأطباء الكويتيين شهرة في الفضاء الإلكتروني حيث يتابعه مئات الآلاف من دولة الكويت وخارجها، بالإضافة إلى أنه قد ألف كتبا طبية ذات طابع خاص استطاع من خلالها أن يكسر حاجز الجليد المصطنع الذي يفصل بين الأطباء والناس.ويأتي كتابه «خرافات طبية-100 خرافة و 100 حقيقة» في مقدمة الكتب التي فندت العديد من الخرافات التي اختلطت بطعامنا وأنظمتنا الغذائية وأوضح بشكل لا لبس فيه العادات الغذائية الضارة وأنواع الطعام الضار الذي نتناوله ونقدمه لأبنائنا، هذا بالإضافة إلى كتابه الثاني «موزة خضراء أم موزة صفراء» ليضيف إلى المكتبة العربية كتابا قيما آخر.هذه الجهود المشكورة نتمنى أن تتكرر وتزداد لنبتعد عن جحيم الخرافات وننعم برفاهية العلم والمعرفة ونسد بابا لا زال مشرعا على مصراعيه.خاطرة: كانت أحلامنا كبيرة وآمالنا أكبر؛ هكذا تعودنا في بيوتنا عندما كنا صغارا وما أن كبرنا حتى تضاءلت أحلامنا وتبخرت وآمالنا وأمست طموحاتنا بسيطة وآلامنا أكبر، هذه هي الدنيا أحلام وأوهام ولا شيء فيها كبير سوى... الله أكبر.
محليات - ثقافة
مشهد
على بساط الخرافات الطبية
02:03 ص