لم يكن مشهد الطفل السوري عبدالباسط الصطوف المأسوي الذي بترت قدماه بطريقة بشعة جراء غارة جوية من مجموعة غارات مكثفة على بلدة الهبيط في ريف ادلب الجنوبي، هو الاول من نوعه، بل سبقته مشاهد كثيرة يعتصر القلب وتدمع العين لرؤياها... كان مشهد الطفل ايلان العام 2015 ومشهد الطفل عمران في 2016، كفيلان بأن يحكيا عن الواقع الأليم الذي يعيشه اخواننا السوريون في وطنهم، فهم ما زالوا يعيشون حرباً اهلية طاحنة، اكتملت فصولها مع قدوم قوات عربية وايرانية واجنبية، وبمشاركة تنظيم «داعش» الارهابي الذي بطش بالارض فساداً ودماراً، ولم يرحم صغيراً ولا كبيراً.هذه الحرب لم ترحم طفولتهم، فانتهكت ومزقت اجسادهم بغير ذنب، فتتكرر مشاهد الابرياء في كل يوم بين الركام والحطام وبين الازقة بطريقة مأسوية جراء ويلات الحرب المستمرة منذ نحو 6 سنوات والتي تسببت بمقتل اكثر من 310 الاف شخص تقريباً ولا نعلم الى اي مدى سيصل الامر. فما حدث لعائلة الطفل الصطوف من مجزرة حقيقية من الممكن ان تتكرر مشاهدها...ماذا نقول للعالم حينما يفقد الاطفال اعضاء اجسادهم؟ لم نتحمل منظر الطفل عبدالباسط حينما فقد قدميه الاثنتين واخته التي بترت إحدى قدميها والاخرى التي توفيت في الحال، فلا يعلم هذا الطفل البريء ان والدته قد توفيت ايضا في هذه المجزرة الجوية من النظام السوري، وبالتالي تفاجأ العالم بلحظات مؤلمة مع هذا الطفل الذي صدح بصراخه طالباً من ابيه المساعدة بعد ان وجد نفسه عاجزا عن الحراك، وبطريقة تراجيدية اخذ ينادي قائلاً: «يا بابا شيلني يا بابا».كلمات ولحظات مؤلمة تلتفت لها الابصار، فحينما تسمعه ينادي وهو غير قادر على الحراك تتجاوب مع الموقف الانساني لا شعورياً، فماذا يكون شعورك عندما يكون اهله في تعداد الموتى مع هذه الغارة؟ لقد استجاب الاب للنداء وهو لا يعلم عن تفاصيل مصير بقية عائلته المفقودة بعد ان تدمر البيت بالكامل، فبات يحمل ابنه تارة ثم يتركه في مسافة قصيرة بحثاً عن البقية، ولكن وجد الاب نفسه وحيدا مع ابنه عبدالباسط الذي حمله كالرضيع ليرحل من جديد الى مكان اكثر امناً، ولعلاجه توجه الى الحدود التركية مباشرة ليكمل مشوار العلاج والبحث عن مصدر رزق آخر.ومن هنا نتساءل: ما ذنب عبدالباسط وغيره من الاطفال امثال ايلان وعمران، الذين سقطوا ضحايا الحرب؟ والى متى تستمر هذه المشاهد المأسوية ضد الاطفال الابرياء؟ وما ذنب الاسر السورية التي تشتت افرادها ورحلوا الى المجهول؟ ففي كل يوم حرب تقتل الطفولة وتدمر اوطاناً ولا نرى احداً ينتشل الشعب السوري من ويلات الحروب الدائرة وسط توغل ميليشيات متنوعة وتنظيمات ارهابية بين القرى، وصلت لتدمر تماسك الاسر وتشتت افرادها، بالاضافة إلى تدمير البنية التحتية حتى لم يبق في الواقع مكان امن.نعم لم يبق لهذه العوائل مع اطفالها إلا قرار الرحيل الاليم هرباً من ويلات الصراع والدمار، براً أو بحراً، وسط معاناة من جحيم اللجوء إلى المجهول... فكم من أسرة فقدت أفرادها؟ وكم من طفل غرق في اعماق البحار؟ وكم من لاجئ بقي صامداً يعاني الجوع والبرد على الحدود منتظراً الدخول؟ وكم من لاجئ قرر الرجوع الى بلده المدمر بعد ما اغلقت ابواب الرحيل في وجهه؟نعم، انه المصير الصعب يا سادة، فقد تحملت عشرات الأسر السورية العديد من الإهانات على الحدود من اجل شراء الحرية والأمان والاستقرار. فمن ينظر الى مأساة ايلان وعمران، يدرك حجم الكارثة الإنسانية التي طالت الاطفال وهم في عمر الورود. واليوم يتكرر مشهد الظلم للطفل عبدالباسط، لنتذكر مجدداً من خلاله مدى القسوة والعذاب والتنكيل بحق الاطفال الاحرار وسط الصمت المريب لمعظم دولنا العربية والاسلامية، وفي المقابل تتعالى اصوات الاعلام والمنظمات العالمية بحق هذا الاستبداد.ولكل حادث حديث...alfairouz61alrai@gmail.com