بالنسبة لنا - نحن الكويتيين حكاماً وشعباً - يعتبر فبراير شهر التحرير، شهر تجسيد التضحية من أجل حماية الوطن والحفاظ على ثوابته، وشهر تخليد من ضحوا بأرواحهم لتبقى الكويت مستقلة من قيود الاستعمار وحرة من أصفاد الإرهاب، وشهر ترسيخ التمسك بالوحدة الوطنية، وشهر تجديد الانتماء للوطن قبل الطائفة والعرق والأسرة. نعم، هكذا قررنا أن تكون احتفالاتنا بشهر أعيادنا الوطنية فبراير. فكما أن شهر أغسطس يحذرنا من أن حريتنا قد تسلب إن وهن نسيجنا الوطني، فإن فبراير يذكرنا أن لحمتنا الوطنية هي سلاحنا الأقوى بوجه المستعمر، وهي سورنا أمام أطماع الغزاة مهما اختلف نمط تسللهم وسلاح جرمهم ومنتهى أهدافهم.لقد تعددت صور المقاومة الكويتية أبان الاحتلال البعثي، وكان أبرزها الكفاح المسلح الذي وجه ضربات موجعة ضد الجيش العراقي، فأرعبت جنوده وضباطه، ورفعت معنويات الكويتيين الصامدين والنازحين، وأقنعت المجتمع الدولي بأننا نرفض الاحتلال الغادر الذي تعددت مبررات جريمته. كما كانت هناك مقاومة مدنية - مكملة للمسلحة - تجلت في عدة صور كان أجملها العصيان المدني ومسيرات التمسك بالشرعية السياسية.من يطلع على أسماء المقاومين الذي نظموا وشاركوا في الجهود القتالية وأنشطة العصيان المدني، يجد أنهم يمثلون أطياف المجتمع الكويتي، ليس بسبب حرصهم على التمثيل النسبي ولا مراعاتهم لمبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية والطبقية - كما تحرص عليه التجمعات السياسية - بل لصدق انتمائهم للوطن. فالوطنيون الصادقون يحترمون التعددية المذهبية والعرقية في مجتمعاتهم بل يفتخرون بها، ولكن ليس على حساب دائرة الانتماء للكويت. فهم يؤمنون بأن دائرة الانتماء الوطني أشمل وأقوى بكثير من جميع دوائر الانتماء الأخرى، لذلك تجدهم يحترمون خصوصيات بعضهم البعض ويتناغمون في ما بينهم بمشاريعهم ومساعيهم الوطنية. فلنتعلم منهم الوطنية الحقة والسلوك السليم الخالي من المؤثرات الفئوية.قد تكون معركة بيت القرين من أشهر المعارك التي وقعت بين المقاومة الكويتية وقوات النظام العراقي البائد، حيث استشهد في هذه المعركة 12 كويتياً كانوا ينتمون لمجموعة المسيلة. بالرغم من بسالة أعضاء المجموعة وعظم تضحياتهم، إلا أن معظمنا لا يتذكر أسماء جميع أعضاء المجموعة، بل لا تحضره أسماء جميع شهدائها. ولكن في الوقت ذاته، لم ننس بسالتهم ولا تضحياتهم من أجل الوطن. بل أننا نستذكر بيت القرين كلما هبت علينا رياح فتنة طائفية أو عنصرية، فهو لنا كالملاذ الآمن في تلك المحن. لذلك أقول وأكرر أن الأيام والأزمات أثبتت حكمة سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الاحمد الصباح الذي أمر بالحفاظ على البيت كصرح ونبراس لينير لنا طريق الحفاظ على الوطن بالتضحيات والتعاضد الوطني.لا يختلف اثنان في أننا نعيش في اقليم ساخن بالفتن الطائفية جسده مثخن بجراح الإرهاب الغادر ومضرج بدماء المدنيين الأبرياء. كان نصيبنا منه تفجيرا ارهابيا استهدف مصلين في جامع الامام الصادق - عليه السلام - في يوم جمعة من شهر رمضان قبل السابق. ارهاب نظام «داعش» الذي غدر بمصلين صائمين لا يختلف كثيراً عن ارهاب الغزو. فكما كانت التعزيزات العسكرية العراقية على حدودنا مؤشراً إلى احتمال الغدر، كانت جريمتا تفجير مسجدين في السعودية تحذيراً ضد مساجد الكويت. وكما أننا لم نخضع لإرهاب جيش صدام على حدودنا الشمالية، فإننا لم نرهب بتفجير المسجدين وراء حدودنا الجنوبية. وكما أننا تكاتفنا في مواجهة الغزاة الذين اجتاحوا وطننا، فإننا تضامنا في التصدي للغدر الارهابي الذي تسلل إلى مساجدنا.الفتنة الطائفية في المنطقة لا تزال مستعرة وقد يصيبنا منها شرر جديدة، لا سمح الله، لذلك يجب علينا أن نؤهل أنفسنا لاحتواء تلك الشرر بالوسائل المتاحة ومن خلال توفير المزيد منها. فكما استثمرنا في تلاحمنا أبان الغزو من خلال توثيقه في الكتب وعرضه في وسائل الاعلام ومن خلال متحف بيت القرين، علينا أن نستثمر في تعاضدنا بعد فاجعة التفجير من خلال وسائل مناظرة. بل أن علينا أن نستثمر في كل تجاربنا الناجحة في مواجهة المحن التي مرت علينا، وأما الأزمات التي شابها حملات تخوين شرائح من المجتمع، فيفترض أن نتسامى عليها، ونعمل - في ذات الوقت - من أجل اجتثاث ثقافة التخوين الفئوية من مجتمعنا.لذلك أناشد المعنيين بتخليد أسماء شهداء الكويت، ومن بينهم شهداء تفجير جامع الامام الصادق، من خلال نصب تذكارية لتكون بمنزلة سور رابع للكويت، لأنها ستحمي الكويت عبر تأصيل ثقافة التضحية من أجل الوطن، ومن خلال تعزيز سلامة النسيج الوطني... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com
مقالات
رؤية ورأي
السور الرابع
03:34 م