من بين تعهداته الانتخابية، التي التزم بها الرئيس الاميركي الجديد دونالد ترامب، تصديه بل معاداته لإيران. فأعاد ترامب أجواء التوتر والمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران. حيث كانت الشرارة الأولى لهذه الأزمة في توقيع قرار تنفيذي يمنع دخول الإيرانيين، إلى جانب مواطني 6 دول إسلامية، إلى أميركا لمدة ثلاثة أشهر على الأقل. وفي اليوم التالي، أجرت إيران تجربة لصاروخ باليستي متوسط المدى، أكد وزير الدفاع الايراني أنها لم تنتهك الاتفاق النووي ولا القرار الرقم 2231 الصادر عن الأمم المتحدة، الذي حظر على إيران تطوير صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية.ولكن الإدارة الأميركية الجديدة لم تتقبل المبرر الإيراني، ودعت مجلس الأمن الدولي إلى اجتماع طارئ للتشاور حول ما اعتبرته وإسرائيل انتهاكا لقرار مجلس الأمن. ولكن هذا المجلس فشل في الاتفاق بسبب الموقف الروسي المبني على أن القرار الدولي «لا يمنع طهران من القيام بمثل هذه الأفعال». ومن جهة أخرى فرضت واشنطن حزمة جديدة من العقوبات الاقتصادية على إيران. فردت عليها طهران بإجراء مناورات عسكرية استعراضية تضمنت استخدام أحدث الأسلحة، كان من بينها صواريخ موجهة.التصعيد بين واشنطن وطهران بالتسلسل أعلاه يشير إلى تصاعد احتمالات المواجهة المباشرة بينهما. ولكن في المقابل توجد وقائع أخرى أتمنى أن تمنع تلك الحرب عن منطقتنا، ومن بينها حقيقة أن الصين وروسيا سيمنعان أي قرار أممي ضد إيران لعداوة الأولى مع هذه الادارة الأميركية ولتحالف الثانية مع إيران على أكثر من مستوى ومجال وميدان.وأيضا، شعبية الإدارة الأميركية الحالية هي الأضعف على الصعيدين الأميركي والعالمي. والقيادات الإيرانية تراهن كثيراً على توظيف مشاعر كراهية الرأي العام العالمي ضد الرئاسة الأميركية من أجل منعها من توجيه ضربة عسكرية ضد إيران. لذلك تبنت خطابا اعلاميا مفاده أن إيران دولة متناغمة مع المجتمع الدولي وتصون الأمن العالمي، وأن الادارة الأميركية الجديدة غير متوافقة بل متناقضة مع الحضارة الإنسانية ومبادئها. فمن جانب يصرح الرئيس الايراني بأن التجربة الصاروخية لم يقصد منها إرسال رسالة إلى الرئيس الأميركي الجديد ولا لاختباره، لأنهم يعرفونه جيدا بعد سلسلة قراراته التنفيذية الغريبة. ومن جانب آخر، نقلت «وكالة الأنباء الإيرانية» الرسمية على لسان المرشد الأعلى لإيران السيد علي الخامنئي: «بالطبع علينا أن نشكر السيد ترامب! نشكره على انه قلل من عنائنا، فقد كشف عن الوجه الحقيقي لأميركا، وكل ما كنا نتحدث عنه طيلة الثلاثين عاما ونيف على الفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي والاجتماعي في نظام الحكم الأميركي».وكذلك الإدارة الأميركية تدرك جيدا أن إيران الآن أقوى من أي وقت مضى منذ الثورة الاسلامية. فهي تمتلك اليوم قدرات صاروخية متقدمة، كما أن لديها حرسا ثوريا مجهزا جيدا ويمتلك خبرات قتالية متراكمة على مدى يزيد على 30 عاما. أضف إلى ما سبق، أن ايران تعد من بين الدول القليلة في العالم القادرة على ارسال قوة عسكرية تقليدية إلى مئات الأميال خارج حدودها، وفق ما جاء في نشرة حديثة لمعهد دراسات الحرب (Institute for the Study of War). ولذلك العديد من الخبراء، ومن بينهم السيد نيكولاس هراس من مركز الأمن الأميركي الجديد (Center for a New American Security)، متخوفون من أن المواجهة العسكرية ضد إيران قد تؤدي إلى صراع أوسع من المتوقع وأكثر تدميرا للاقتصاد العالمي ما يستطيع أن يتحمله الرأي العام في أميركا وفي الكثير من الدول الحليفة لها.كما تعلم الولايات المتحدة أن إيران تمتلك قدرات وطنية قادرة على إنتاج قنبلة نووية إذا قررت القيادة الايرانية إنتاجها، وتعي أن هذا القرار سيصدر فور تعرض الأراضي الايرانية لضربة عسكرية أميركية أو اسرائيلية، وأن هذا القرار سيصدر قبل قرار توجيه الضربات العسكرية الانتقامية. وخير دليل على ذلك، تصريح الرئيس السابق أوباما الذي جاء فيه أن الاتفاق النووي منع إيران من انتاج قنبلة نووية.بدوري، كمواطن خليجي سيتضرر من المواجهة العسكرية بين أميركا وإيران، أدعو الحكومتين إلى تحكيم العقل وتبني السبل الحضارية والقنوات الأممية لمعالجة الخلافات بينهما، فمنطقتنا فقدت الملايين من ابنائها ويعاني مثلهم من المعاقين وأضعافهم من المشرّدين، كما خسرت ما لا يعد ولا يحصى في اقتصادها وبيئتها وصحة ابنائها... كفانا حروباً.وأما من يتمنى أن يعادي الرئيس ترامب إيران كما كان الرئيس الاسبق جورج بوش الابن، أقول له، ماذا يمنع الرئيس الحالي من التحالف مع إيران كما فعل الرئيس الاسبق نفسه في حربه ضد خصمي إيران، «الطالبان» الافغان والبعث العراقي؟ وماذا لو اقتصرت المواجهة بين البلدين على استنزاف ما تبقى من مقدرات دول منطقتنا؟... «اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com