هناك علاقات متعددة - مباشرة وغير مباشرة - بين صحة الانسان وبين الطقس والمناخ، ولذلك تم تخصيص الفصل رقم 11 بأكمله، في المجلد الثاني من تقرير التقييم الخامس (الأحدث) الصادر في عام 2013 من قبل الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، لعرض ودراسة ما هو منشور في المجلات العلمية عن آثار تغير المناخ على الصحة.بشكل عام خلصت تلك المراجعة الأكاديمية إلى أن صحة البشر حساسة للتغيرات في أنماط الطقس وغيرها من مظاهر تغير المناخ. وحددت ثلاثة مسارات رئيسة لتأثر الصحة العامة بتغير المناخ: الآثار المباشرة على صحة الإنسان كالحرارة المرتفعة والجفاف، والآثار غير المباشرة عبر النظم الطبيعية كالأمراض التي تنتقل بالهواء والماء، والآثار غير المباشرة عبر النظم البشرية كالأضرار الاقتصادية والاجتماعية. ما يهمني في هذا المقال هو مدى ارتباط ارتفاع درجات حرارة الجو بالصحة العامة في الكويت.بالنسبة لموجات الحرارة، شملت المراجعة الأكاديمية العديد من الدراسات التي تؤكد أن الزيادة الواضحة في عدد الوفيات خلال موجات الحرارة مرتبطة بتغير المناخ. ومن بينها الدراسة المنشورة في عام 2008 التي تحلل بيانات الزيادة في عدد الوفيات في فرنسا خلال موجتي الحرارة (في السنتين 2003 و 2006) وترجح أن تكون تلك الزيادة التي تقارب 15 ألف حالة وفاة (80 في المئة منهم تجاوزت اعمارهم 75 سنة) ناجمة عن التغير المناخي.ووفق ما جاء في البحث العلمي المنشور في العدد الثاني من المجلد رقم 331 (فبراير 2008) من مجلة (Comptes Rendus Biologies) المرموقة، تم تسجيل أكثر من 70 ألف حالة وفاة إضافية أثناء موجة الحرارة التي حدثت في صيف عام 2003 في أوروبا مقارنة بمعدلات الوفيات في الفترة بين العامين 1998 و 2002. ومما يزيد من قيمة هذا البحث ونتائجه، هو الاستشهاد به من قبل 540 بحثا علميا منشورا حتى اليوم.وكذلك، منظمة الصحة العالمية تناولت العلاقة بين تغيّر المناخ والصحة في تقريرها الوقائعي (Fact Sheet) رقم 266 المؤرخ يونيو 2016، حيث جاء في التقرير «إن الارتفاع الشديد في درجات حرارة الجو يُسهم مباشرة في حدوث الوفيات التي تنجم عن الأمراض القلبية الوعائية والأمراض التنفسية، خصوصاً بين المسنين». كما يشير التقرير إلى بعض الآثار غير المباشرة لتغير المناخ، حيث جاء فيه «أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد مستويات الأوزون وسائر الملوثات الموجودة في الهواء، الأمر الذي يزيد الأمراض القلبية الوعائية والأمراض التنفسية تفاقماً».لا أخفيكم أنني اندهشت عندما عرفت العلاقة السببية بين ارتفاع درجات الحرارة وبين الربو، حيث جاء في التقرير أنه «في الحر الشديد ترتفع مستويات حبوب اللقاح وسائر المواد الموجودة في الهواء والمسببة للحساسية. ويمكن أن يتسبب ذلك في الإصابة بالربو، وهو مرض يعاني منه 300 مليون شخص تقريباً». ويشير التقرير إلى أنه «من المتوقع أن يزداد هذا العبء الصحي بفعل الزيادة المستمرة في درجات الحرارة».رغم كل ما أشرت إليه من مضار ارتفاع درجات الحرارة على الصحة، ورغم أننا نعيش في منطقة تعد من أعلى المناطق - إن لم تكن الأعلى - عالميا في سخونة الطقس، إلا أننا لم نستشرف الآثار السلبية للارتفاع المنظور لدرجات الحرارة في العقود المقبلة بالكويت على الصحة العامة. لذلك أناشد الجهات المعنية بالبحث العلمي حول قضايا البيئة والصحة العامة، وفي مقدمتها الهيئة العامة للبيئة ووزارة الصحة ومعهد الكويت للأبحاث العلمية والجامعات والكليات - الحكومية منها والخاصة - ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي، العمل على تشجيع ورعاية الابحاث والدراسات المرتبطة بالآثار السلبية لتغير المناخ - وخصوصا تلك المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة - على دولة الكويت وطرق التكيف معها. أهمية هذه الدراسات لا تقتصر على تطوير قدراتنا في التصدي للآثار السلبية لتغير المناخ، بل تعزز من موقفنا في المرحلة الصعبة المقبلة من مفاوضات تغير المناخ، وتدعم مطالباتنا ومشاريعنا لدى المؤسسات الأممية المعنية بتطبيق اتفاقيات تغير المناخ. المجتمع الدولي توّاق لرؤية مساهمات من الدول النفطية لتمويل المشاريع المرتبطة بتغير المناخ، فلتكن تلك المشاريع في أوطاننا... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com