يرى الدكتور حميد بن محمد لحمر أستاذ التعليم العالي في جامعة سيدي محمد بن عبدالله (فاس - المغرب) رئيس وحدة دكتوراه التراث الفقهي المالكي بالغرب الإسلامي، أن «الإرهاب الإجرامي هو نتيجة حتمية لظاهرة الغلو والتطرف في الدين التي انتشرت في السنوات الأخيرة، وأن كل ما يحدث من جرائم وسفك للدماء باسم الدين محض افتراء وكلام لايتفق مع صحيح الإسلام»، مشيرا إلى أن «الجهاد المشروع في الإسلام هو جهاد الدفع للدفاع عن النفس وصد المعتدي».وكان لحمر زار الكويت بدعوة من كلية الشريعة لمناقشة رسالة دكتوراه لأحد طلابها. وتعد هذه الزيارة التاسعة له لدولة الكويت التي يراها صاحبة الريادة في مجال العمل الخيري. كما اشاد بالمركز العالمي للوسطية وثمن دوره في البحث والتنقيب في التراث الإسلامي لإبراز وسطية الإسلام.«الراي» التقت لحمر وتحاورت معه في قضايا شتى ومعرفة رأيه فيها باعتباره واحدا من العلماء المعتبرين، ومنها ظاهرة «التكفير» التي يراها آفة العصر وإطلاق هذا المصطلح كان السبب في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. كما علق على ظاهرة انتشار «الفتاوى الفضائية» ومدى خطورتها وضرورة معالجتها. وأدلى لحمر بدلوه في حالة الفصام الموجودة بين الشباب والمجتمع، وحديث «اختلاف أمتي رحمة» ومدى صحته وأراء العلماء، وكذلك مقولة «صلاح الأمة بصلاح علمائها». وأوضح المقصود من مصطلح الإرهاب في الإسلام، وختم حواره معنا بتوجيه الشكر لجامعة الكويت قسم الدراسات العليا ولكلية الشريعة على دعوتهم الكريمة له، ولجريدة «الراي» التي أتاحت له الفرصة لإجراء هذا الحوار... وإلى التفاصيل:• مرحبا بكم في الكويت... حدثنا عن سبب الزيارة للكويت؟- في الحقيقة لدي زيارات كثيرة لدولة الكويت، أغلبها لكلية الشريعة بجامعة الكويت وهي في إطار تبادل الخبرات والتجارب العلمية، وهذه الزيارة هي للمشاركة في مناقشة رسالة دكتوراه لطالب كويتي في كلية الشريعة بعد تحكيمي لأطروحته.كما أن علاقتي بكلية الشريعة تعود لسنة 2008 حيث كانت أول زيارة لي لها، ومنذ هذه السنة وإلى وقتنا الحالي فقد قمت بثمان زيارات للكويت منها خمس مرات لكلية الشريعة والباقي ضيفا على وزارة الأوقاف وغيرها، وألمس أنه عند كل زيارة للكلية رغبة شديدة لدى الطلبة حيث يرغبون في الالتحاق بالجامعة المغربية وعلى وجه الخصوص الرغبة في الالتحاق بقسم الدكتوراه وبالقسم الذي أشرف عليه بكليتي بجامعة سيدي محمد بن عبدالله بمدينة فاس المغربية والمتعلق بالتراث الفقهي المالكي بالغرب الإسلامي، وقد يسر الله في تسجيل عدد كبير من الطلبة الكويتيين، وأغلبهم حصل على الدكتوراه ، والجامعة المغربية بابها مفتوح في وجه الجميع والحمد لله.كما لاحظت - ما شاء الله - عدد المسجلين بالكلية يرتفع سنة بعد أخرى وقد أخبرت بأن هذه السنة وصل عدد الطلبة إلى خمسة آلاف طالب في مختلف التخصصات وهذا له معنى ودلالات، وهو رغبة شديدة في الاقبال على العلم الشرعي.الكويت رائدة• بما أن زياراتكم للكويت متكررة فمن المؤكد أنكم تعرفتم على العمل الخيري فيها... كيف ترونه وكذلك المركز العالمي للوسطية ؟- أولا من حيث العمل الخيري فإن دولة الكويت لها أياد بيضاء على العديد من الجهات في مجال العمل الخيري، بل هي رائدة في هدا الباب إذا ما قورنت بباقي دول مجلس التعاون والدول العربية والإسلامية، فهي إلى جانب العمل الداخلي الذي يقدم لبعض أفراد الجاليات المتعددة المحتاجة من الطبقة العاملة تتطلع أيضا إلى الخارج، فنجد أكثر من سبعين جمعية تنشط في هدا الباب ، وعلى أوسع نطاق و بجهات متعددة بآسيا الوسطى وروسيا ودول إفريقيا ودول المغاربة منها جمعية الإصلاح الاجتماعي وجمعية إحياء التراث الإسلامي وغيرها، إلى جانب هذه الجمعيات هناك مؤسسات أخرى تنهض بهذا العمل مثل بيت الزكاة الكويتي و الذي له مشاريع اجتماعية في غاية الأهمية بالمملكة المغربية مع جمعيات ذات طابع اجتماعي إلى جانب مبادرات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.أما المركز العالمي للوسطية فهو مؤسسة قوية جدا مهيكلة ومنظمة ذات أهداف استراتيجية سامية لها مشاريع داخلية وخارجية دولية، وقد تشرفت بزيارته مند ثلاث سنوات واطلعت على برامجه ومطبوعاته ودوراته داخل الكويت وخارجه والمركز يعمل بالدرجة الأولى على تأطير الخطاب الوسطي المعتدل، وتشجع عليه، وتنبش في التراث الإسلامي للوقوف على وسطية الإسلام وإبراز هذا الجانب.اعتداء وتجاوز• ننتقل إلى موضوع آخر من الأهمية بمكان وهو «الجهاد في الإسلام» نريد توضيحا لمفهومه؟- في تقديري أن الجهاد في الإسلام يقوم بالأساس على مجاهدة النفس أولا، بإصلاحها و تزكيتها بالأخلاق الطيبة والسلوك الحسن والجدل بالتي هي أحسن هذا أولا.بعد ذلك يأتي جهاد الآخر وذلكم في تقديري يكون بالصبر على الأذى ومقابلة السيئة بالحسنة.أما الجهاد الذي يعتمد فيه على استعمال السلاح والعنف، فهذا لا يمكن تصوره في الإسلام إلا عند الدفاع عن النفس و صد المعتدي ، وهو المسمى بجهاد الدفع عند الضرورة.أما ما نسمعه الآن و نشاهده من مآس باسم الجهاد، فهذا لا أساس له من الصحة من المنظور الإسلامي الصحيح. وفيه اعتداء وتجاوز لحدود الشرع.ومما لا شك فيه أن الجهاد في سبيل الله من أفضل القربات وأجلّ الأعمال الصالحة، والشواهد من الكتاب والسنة كثيرة جداً.غير أنه يجب أن يعلم أن الجهاد الذي وعد الله عليه ووعد عليه رسوله بالوعود العظيمة، وادخر لأصحابه الخير الكبير هوالجهاد الشرعي الذي يكون خالصاً لله تعالى، موافقاً لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.آفة العصر•وماذا عن ظاهرة «التكفير» التي انتشرت في السنوات الأخيرة؟- هذه آفة العصر، فقد انتشرت ظاهرة التكفير في عصرنا الحالي بشكل مفرط و خطير دون انتباه لعواقب هذا الأمر و ما يترتب عنه ،والتكفير هو الحكم بالكفر على الأفراد ، أو الجماعات، بما لم يجعله الشارع كفرا، ثم إن تكفير الناس هو شر خطير، تنشأ عنه مفاسد عظيمة، و تترتب عليه جنايات جسيمة، و تكون نتائجه أخطر حين يتعدى إلى تكفير الحكام وولاة الأمور، حيث يترتب عنه التمرد، وحمل السلاح عليهم، وإشاعة الفوضى، وسفك الدماء، وفساد أمور العباد و البلاد في دينهم و دنياهم ، أما ما يترتب على الأفراد عند تكفيرهم فمفاسد متنوعة منها: وجوب التفريق بين الأزواج، و إذا مات المكفر لا تجري عليه أحكام المسلمين، فلا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين ، و لا يورث وغيرها من الأحكام المبنية على الظلم و الجهل بأحكام الدين و التأويلات المعوجة المحرفة للنصوص ، و لذلك جاء في الحديث النبوي الشريف : «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إلا أن يكون كما قال». وفي حديث آخر: «ومن دعا رجلا بالكفر، أو قال عدو الله، و ليس كذلك إلا حار عليه» وهذا وعد شديد، وهو رجوع الكفر عليه.والخلاصة هي أن الفكر التكفيري يُعدُّ من جملة الأخطار التي هزت أرض المسلمين هزة عنيفة أطاحت برواسخ الثبات في كل ضروب الحياة، وأحدثت صدعاً قويا في صرح الأمة ساق الأعداء إلى مهاوي التشويه والطعن في مقدساتها وأئمتها وعقيدتها بكل توجهاتها على حد سواء.صورة سيئة• حدثنا عن الغلو في الدين و التطرف وموقف الإسلام منهما؟- هذا موضوع في غاية الأهمية ومدارسته في وقتنا الحالي ضروري لمعالجته ، خصوصا و أن هذه الظواهر انتشرت في العالم الإسلامي ، وانتقلت عدواها إلى العالم الغربي أيضا ولقد تابعنا النتائج الخطيرة التي تمخضت عنها وخلفت صورة سيئة عن الإسلام والمسلمين ذلكم لأنه تنتهي في الأخير بارتكاب جرائم خطيرة، وهي التي اصطلح على تسميتها بالإرهاب الإجرامي، وقد اتخد أشكالا متعددة هددت السلم العالمي بأجمعه ، بل أصبح العالم كله مهددا بالدخول في دوامة الفوضى المدمرة، هذا التطرف ولد الإرهاب ، وكان من نتائجه اعتداءات باسم الدين، نفذ أغلبها من قبل جيل نشأ في بيئة عربية مسلمة، و أخرى ولدت ونشأت وترعرعت في بيئة غربية، قاسمهم المشترك أنهم يحملون صبغة إسلامية، ومعها يحملون فكرا تكفيريا يسوغ لهم القتل العشوائي والانتقام بشتى الطرق تارة بدعوى القصاص، وتارة أخرى بدعوى تطبيق الحدود الشرعية المعطلة، دون مراعاة للشروط والضوابط الشرعية المرعية والإسلام بريء من هذا كله.إذا فالإرهاب مرتبط بالذي قبله، ومرتب عنه، ذلكم وكما ذكرت، بأن الإرهاب الإجرامي تولد من رحم الغلو في الدين بالمبالغة فيه بالتشدد، والتطرف العنيف.• إذاً ماذا يعني مصطلح الإرهاب الوارد في القرآن الكريم؟- مصطلح الإرهاب الذي ورد في القرآن الكريم، لا علاقة له بهذا ، فالذي جاء في القرآن فيه الإذن بإعداد القوة اللازمة لجهاد الدفع - كما ذكرنا - سابقا، لأجل الدفاع عن النفس، هو مشروع، ومقيد بشروط وضوابط لا بد من توفرها ومراعاتها إذا دعت الضرورة دون اعتداء على الآخر، وهذه مناسبة لكي أعلن أنه نظرا لأهمية الموضوع، واعتبارا للإساءة في فهم المصطلحات المرتبطة بالموضوع ستنظم مؤسسة «لسان الدين بن الخطيب للدراسات وحوار الحضارات» في مدينة فاس مؤتمرا دوليا حول موضوع: «ظاهرة الغلو في الدين و التطرف العنيف والإرهاب الإجرامي: قراءة في المفاهية و المعالجة الأمنية والمقاربة المغربية»، أيام 26/27/28 أبريل 2017 وسيتناول محاور سبعة، والدعوة مفتوحة لمشاركة المهتمين والمتخصصين الخبراء في الموضوع، وبالمناسبة ستشارك معنا مجموعة كبيرة من الأساتدة من جامعة الكويت وكذا من مركز تعزيز الوسطية.اختلاف الثقافة• ماذا عن الفجوة الكبيرة التي بين الشباب وأوليائهم؟- في تقديري أن انفتاح الشباب على الإعلام الحديث بمختلف أنواعه ووسائل الاتصال الحديثة والمواضيع المتنوعة التي يروج لها، وهي متعددة، وكذا اختلاف بين ثقافة الطرفين أو الجيلين، وعدم الرقابة، هو الذي تسبب في هذا الانفصام وعدم التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة و على الخصوص بين الأبناء والأولياء.• ما رأيكم في حديث: اختلاف أمتي رحمة؟- هذا الأثر حوله اختلاف كبير بين السادة العلماء، حول صحته وعدم صحته، وأغلبية العلماء ذهبوا إلى أنه ضعيف، وبعضهم قال بإنه مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم كابن حزم الظاهري الأندلسي الذي ذهب إلى أنه باطل مكذوب، كما ضعفه الشيخ الألباني أيضا، و ذهب بعض المعاصرين كالدكتور راتب النابلسي إلى أن هذا النص لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو باطل.لكن في تقديري أنه يمكن الاستئناس به، وحوله ذهبت فئة إلى القول بإن هذا يحمل على اختلاف المجتهدين من السادة الفقهاء أصحاب المذاهب الفقهية في أحكام الفروع على الخصوص التي يجوز فيها الاجتهاد فيقع فيها اختلاف الأفهام وتتعدد استنباطات الأحكام، ومن هنا كان الاختلاف في الفروع الفقهية رحمة على الأتباع والمتفقهة لاختيار ما يرونه مناسبا للنازلة حسب الأزمنة والأمكنة.• يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - «صلاح هذه الأمة مرتبط بصلاح علمائها» فهل ما يحدث للأمة من أزمات وانكسارات هو بسبب انحسار دور العلماء؟- هذا كلام صحيح، وقد يكون انحسار دور العلماء، أو بعدهم بعض الشيء عن الناس، أحد الأسباب التي أدت إلى هذه الحال التي عليها الأمة الآن، لكن أرى أن الغزو الإعلامي الغربي الذي اقتحم حياتنا لا يترك مجالا لمحاولات الإصلاح التي يقدمها العلماء رغم المجهودات الكبيرة المبذولة وإعلامنا نحن لم يرق بعد إلى المستوى المطلوب حتى يستطيع التأثير أكثر بإيجابية أنفع.ظاهرة غير صحية• على ذكر الإعلام... ما رأيكم في ظاهرة انتشار الفتاوى الإعلامية؟- أعتقد أن ما ظهر في عصرنا الحالي وانتشر بشكل مريب من فتاوى إعلامية فضائية أحيانا تكون متضاربة يعتبر ظاهرة غير صحية ، الأمر الذي يستوجب التدخل لأجل العلاج ، ذلكم لأن كل من أراد أن يتقلد هذا المنصب في الواقع عليه أن ينال حظا من العلم الشرعي ثم لا بد من توفر مجموعة من الشروط لمن يتقلد هذه المهمة، وهي لا تتوفر في الأغلبية الساحقة لمن يتولى هذا الأمر في الفضائيات ، و تارة على الهواتف النقالة مع انعدام المؤهلات العلمية الواجب توفرها في هؤلاء كالإلمام بالقرآن الكريم و على الخصوص أحكامه وعلومه ومنها ناسخة ومنسوخة وكذا بالحديث النبوي الشريف وعلومه صحيحة من سقيمه وناسخة ومنسوخة والإلمام بأعراف الناس وعاداتهم، وغيرها مما يجب مراعاته و الإلمام به وكذا إجماع العلماء، وغيره من آليات الفتوى المعتمدة.• هل لكم بكلمة أخيرة؟- في الأول يسرني أن أقدم الشكر الجزيل لجامعة الكويت، قسم الدراسات العليا بكلية الشريعة، على دعوتهم الكريمة المشاركة في تحكيم دكتوراه أحد طلبة كلية الشريعة، وكذا المشاركة في مناقشتها، وهذه الالتفاتة تهدف بالدرجة الأولى إلى تبادل الخبرات والتجارب بين هيئة جامعتين ، جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس المحروسة، وجامعة دولة الكويت الشقيق.ثانيا: أشكر جريدة «الراي» الكويتية على هذه الاستضافة الإعلامية الطيبة في هذه المناسبة المباركة، وجميع أعضاء إدارتها النجاح في مهامهم، و للجريدة المزيد من المصداقية والانتشار الواسع ولتزداد عناية اكثر واهتماما اكثر وقربا من قرائها. و تحياتي الطيبة لقراء هذه القصاصة.
متفرقات - إسلاميات
حوار / رئيس وحدة دكتوراه «الفقه المالكي» بالغرب الإسلامي يعبّر عن سعادته بتزايد طلبة «الشريعة» في الكويت
حميد لحمر لـ «الراي»: الإرهاب تولّد من رحم الغلو والتطرف... و«التكفير» آفة العصر
06:58 ص