من التصورات الشائعة بين المواطنين أن الحكومة تلعب دوراً رئيساً في استدامة الاحتقان الطائفي في الكويت من خلال تقاعسها عن دورها الطبيعي في التصدي بحزم لمثيري الفتن، بل إن هناك من يعتقد بأن أطرافاً مرتبطة بالحكومة هي التي تتحكم في خيوط الأزمة الطائفية المزمنة، ويستدلون على رجاحة رأيهم بوجود حالات عدة يكون فيها الطرفان الطائفيان المتخاصمان مرتبطين بنفس القطب الذي كان أو مازال يشغل منصباً قيادياً حكومياً. وأن غرض الأقطاب - من تحريك رموز الطائفية - هو توجيه الناخبين من أجل المشاركة في تحديد تشكيلة البرلمان، وتباعاً التأثير على القرار في المجلسين التشريعي والتنفيذي.ما أريد أن أسلط الضوء عليه في هذا المقال هو مجموعة المرشحين «غير الطائفيين» الذين يصلون إلى قاعة عبدالله السالم من خلال استثمارهم لذات الأزمات الطائفية التي توصل رموزاً طائفيين. وأقصد هنا العديد من النواب الذين يقدمون أنفسهم للناخبين على أنهم الوطنيون العقلاء القادرون على احتواء الطائفيين وأزماتهم، وبالرغم من قدرتهم الفعلية في احتواء شريحة من الطيف المذهبي الذي ينتمون له، إلا أنهم - في الواقع - مرتبطون بنفس الأقطاب الذين يرتبط بهم الطائفيون! فإداريو اللعبة الطائفية يعلمون جيداً أهمية امتلاكهم القدرة على المحافظة عليها ضمن الحدود التي يرسمونها قبل إطلاق صفارة الحكم، وإلا فإن حماس وحمية مشجعي الفريقين قد يتحولان إلى كراهية متبادلة قابلة للتفاقم نحو مواجهة دامية بينهم تطول الجميع شاملاً الإداريين، لذلك يحرص أقطاب العملية الطائفية على تجديد عدد من النواب الموصوفين بالعقلانية - بالرغم من ضعف أدائهم البرلماني – إلى جانب النواب الطائفيين.من المهم جداً أن يعي الناخب الكويتي أن أقطاب الطائفية لا يسمحون لرموز الفتن الطائفية ولا لعقلائها أن يعالجوا جذور تلك الأزمات، حتى لا يفقدوا عصاهم السحرية التي مكنتهم من ثروات البلد، وقد يكون من بين الأمثلة على ذلك مصير النائبين اللذين تقدما باستجواب لوزير البلدية على خلفية إزالة مضايف حسينية مرخصة بطريقة استفزازية رصدتها الكاميرات، وكذلك حملات التشويه التي تعرض لها مرشحون وما زال يتعرض لها نواب يتبنون الثوابت الدستورية ويسعون لتعزيز التعايش السلمي ضمن دولة مدنية، فيتهمون ظلماً بالطائفية!الشعوب المتحضرة اجتازت عصر الاقتتال الطائفي بعد أن تبنت مجموعة من المبادئ والمفاهيم والقوانين التي مكنتهم من اجتثاث جذور الفتن الدينية. هذه المجتمعات تخلصت من الاقتتال الديني عبر التزامها بالحريات والعدالة والمساواة، وهي - ولله الحمد - مفاهيم محورية في دستورنا ولكنها من جهة أخرى مجمدة بحجج دينية، فمن يُرد أن يكون عاقلاً في مسلسل الازمات الطائفية، فعليه أن يصون الثوابت الوطنية كما جاءت بالدستور. ومن يرغب أن يكون حكيما أمام تلك الفتن فعليه أن يتعلم من تجارب الآخرين.الفتن الطائفية وراءها قوى فساد غير ملتزمة بالتدين إلا بالقدر الذي يفتح لها مغارة «الأربعين حرامي»، وسوف يستمرون في حيلهم الطائفية لإلهائنا عن سرقاتهم، وإشغالنا عن تنمية مجتمعنا، ما لم نعزز الحريات الدينية، ومن بين الموجهات الناجعة في احتضان التنوع الديني المادتين (19 و 20) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي اعتمد بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، وصادقت عليه الكويت في 21 مايو 1996، حيث تنص المادة (19) على حرية مطلقة في اعتناق الآراء، وتقر حرية التعبير المشروطة بقيدين: احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم وحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة، كما تحظر المادة (20) الدعاية للحرب وتحظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف.لست خبيراً دستورياً، ولكنني أجد أن هاتين المادتين حاضرتان في مواد دستورنا ومن بينها المادة (35). ولكن عندما نقيم موقف النواب العقلاء من رسائل تحريضية ضد طائفة كويتية لمدة تزيد على عشر سنوات، نجد بأن دورهم اقتصر على امتصاص غضب أبناء الطائفة المستهدفة من خلال وعود كاذبة وخطابات تضليل... «اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه».abdnakhi@yahoo.com