عامان مرا، كأنه الأمس تماماً...الثالث من يناير 2015، في الساعات الأولى من الفجر، رنّ جرس الهاتف: أمك ماتت...انتهى الاتصال وبدأت الحكاية، التي لا تفارق ذهني، تمر أمامي مع كل غمضة عين، كلمتان صداهما يتردد في أعماق روحي، ليزيد الألم والحنين والحزن لرحيلك يا أمي...في وسط البكاء وتعالي الصرخات وارتفاع النحيب، دخلت غرفتك، التي مددت فيها، تغطيك قطعة قماش بيضاء.كان النحيب يبلغ مداه، والصراخ يهز الجبال، وكانت النسوة المتشحات بالسواد يصحن ويصرخن، وبضعة منهن يتلين آيات الذكر الحكيم فوق رأسك...لف الصمت المكان لبرهة عندما دخلت، وشخصت الأعين صوبي متلهفة، كأنهم كانوا ينتظرون معجزة، كانوا يعتقدون انك ستفيقين بوصولي، كانوا ينتظرون أن تقومي للقائي...أبي كان في انتظاري على قارعة الطريق، احتضنني يقول، أسرع أمك في انتظارك..أسرعت الخطى، كشفت غطاء وجهك، نظرت إليك لكنك لم تستفيقي، قبلت جبينك لكنك لم تتحركي، فارتفع الصراخ من جديد، وعاد النحيب مجددا.لحظات حفرت بدموع لا تمحو اثارها ايام ولا سنون، ليس لعزاء أن يخفف الحزن، ولا لكلام أن يخفف الألم، ولا لزمان أن يصغّر المصاب، بل هي فاجعة تجعل الانسان صاغراً أمام ذكريات مضت، يسترجعها في كل لحظة وكل موقف، يتمنى لو تدور عجلة الزمن إلى الوراء ولو لبرهة فقط.نعم تسير الحياة وتبقى الذكرى، لكن في قلب كل انسان ذكريات لا تموت ولا تصغر، بل تكبر معه يوماً بعد يوم، تصبح الذكرى عهداً والتزاماً ونهجاً... تمضي الأيام، تمر الأسابيع، وتتوالى الأشهر، أغفو كل ليلة على ذكراك، تغمض عيني كل ليلة وصورتك آخر طيف يمر في ذاكرتي.وفي خضم الأيام ومشاغل الحياة قد يشعر البعض ان الذكرى انتهت، وان الرحيل كان النهاية، لكن والله والله يا أمي ان رحيلك لم يكن سوى البداية، البداية لقصة حب وارتباط روحي لا يعيشها الا صاحبها.كنت أتلهف لحظة الإجازة لأراك فيها، لكنها بعدك حلّت حزينة، كئيبة، عدت إلى البيت فارغ اليدين، ليس هناك من أحمل له هدية معي، ليس هناك من يتلهف شوقاً لاحتضاني، أنا المتلهف لزيارتك، لاستذكار أيامي معك، واسترجاع لحظات صغري بين يديك، أنا القانت بالدعاء لرضاك...باتت محطتي الأولى ثابتة، معلومة، محددة... أعلم أنك في انتظاري، أحفادك جاؤوا معي، يسألون عن أحوالك.مع ميلاد كل سنة جديدة بات لي موعد جديد لزيارتك، للتحدث اليك، وأنت التي بين يدي من تطمئن إليه نفوسنا جميعاً.ها أنا، أزور قبرك محملا بالدعاء لروحك، والرجاء لرب العباد برحمتك، والصلاة لخالق الأرض والسموات أن يسكنك فسيح جناته ويسقيك من روض نعيمه.هذا ما بقي لدي أحمله إليك في زيارتي يا أمي، سامحيني، رحمك الله.***كلمة أمي تساوي الكون بأسره، فأي شعور لمن ينادي أمي وهي تحت التراب!