كل محاولاتي باءت بالفشل لكي أصبح عازف كمان جيداً، ومستواي في العزف يليق بملهى ليلي رخيص. حتى عندما حاولت أن أعزف لابنتي في عيد ميلادها... انقطع الوتر!الكمان هو الآلة التي يعشقها كل الذين يراهنون على بياض أسنانهم مقابل فنجان قهوة أو سيجارة بائسة أو كوب من الشاي مع عمال بناء في ليلة شتوية قارسة.أولئك الذين يضحكون على استحياء، ويبكون في السر.الكمان غامض والعود شفاف...الكمان هو غرق في الموسيقى حتى الذقن!الكمان انسيابية... والبيانو ضرب.الكمان أنيق...الجيتار مبعثر.فجأة... كمية رسائل مهولة تنال على هاتفي.انتظر لحظة عزيزي القارئ... للتو جاءني الخبر التالي:شاب تركي يغتال السفير الروسي ويقول صارخاً ومعرفاً عن نفسه (نحن الذين بايعنا محمداً على الجهاد ما بقينا ساعة...لا تنسوا حلب... لن تهنأوا بالأمن ما لم نهنأ به هنا في بلادنا).أعتقد أن (أجدع) مقال في الدنيا يجب أن يتوقف حالاً لينتقل للكتابة حول هذا الخبر، فاسمح لي بعملية الانتقال المفاجئ هذه، نقلة نوعية تليق بمفاجأة الخبر ذاته.بعيداً عن مشاعر الفرح والسعادة التي أبداها البعض بخبر مثل هذا، أو مشاعر الاشمئزاز والخوف من تصرف مثل هذا، أو كمية التغريدات التي نددت واستنكرت هذا الفعل من منطلق إنساني، أو كمية التعليقات التي بررت هذا السلوك من منطلق حلبي، وبعيداً عن التأصيل الشرعي للموضوع، وبعيداً عن التأصيل العاطفي للتصوير والمؤثرات الصوتية للفيديو... بعيداً عن كل هذا أحاول أن أقف.لا أحاول هنا أن أمسك العصا من الوسط، ولا أحاول أن أدافع عن أحد، ولكني أحاول أن أوازن بين فصي المخ بشقيه العاطفي والناقد... الفنان والمنطقي، ثم أعلن انحيازي وأبكي في السر.وقبل هذا لي كلمة (بعض الذين تعاطفوا مع القاتل، في الواقع كانوا يتعاطفون مع أنفسهم... وبعض الذين تعاطفوا مع السفير في الواقع كانوا أيضاً يتعاطفون مع أنفسهم، الجميع يعلن انحيازه، وكل الذين ذكرونا بأن هذه الحادثة ستجلب علينا العار والشنار كما حدث عندما تم ضرب برجي التجارة في أميركا، في الواقع هم لا يذكروننا نحن... إنهم يذكرون أنفسهم، وبعض الذين كتبوا عن الإنسانية في الواقع هم يحبون الإنسانية فعلاً، ولكنهم يكرهون جيرانهم، وبعض المثقفين والدكاترة والإعلاميين الذين استقبحوا الدم والغدر هم في الواقع من غير دم!(وبعض المشايخ الذين سيمجدون هذا الفعل هم في الواقع انحطوا بمقدار فقدان الحكمة).الرشد والحكمة يضيعان في الحروب، ونحن في حالة حرب، وأولى مراحل الحرب الكلام، وآخرها انهيار النظام الأخلاقي والميثاقي بين الدول والأفراد، فقتل شعب حلب وسورية ومشاهدة العالم لذلك والصمت عليه هو انهيار للنظام الأخلاقي والميثاقي، وقتل السفير في قضية سيكون آخر المستفيدين منها هم أهل حلب أنفسهم، وأول المستفيدين منها روسيا ذاتها، فهذا أيضاً انهيار أخلاقي يضحي بالأنفس والكثير من المعاني...إنها ضريبة الحرب... لن تستطيع أن تحكم على سلوك ما بطريقة عادلة إلا عندما تنتهي الحرب... في الحرب الجميع متحيز، وأنا أولهم! وجميعنا متحيزون للخسارة.أكتب لكم بمشاعر متضاربة، ومحاولة للبحث عن أرضية مشتركة... فتتفجر داخلي كوامن ثائر متطرف يعتقد أنه سيصلح العالم بالمسدس، وفي الوقت نفسه تتولد في عقلي كوامن مواطن يقظ فأجد سلاح قتل السفير مصوباً نحونا.لو كنا منذ البداية... منذ 2011 نستنكر القتل كقتل فقط، من دون أي اعتبارات أو تبريرات أخرى، لما وصلنا لهذه الحالة التي تستنكر لاعتبارات أخرى... وتؤيد لاعتبارات أخرى.لقد كان القاتل أنيقاً... كالكمان!ولكنه أيضاً... غامض، انسيابي في الحركة والكلام... ولكنه مبعثر في النتيجة.وبينما نحن نستمع للعزف غير المنظم، ولموسيقى القتل الجماعية سنرفع أيدينا للسماء قائلين:اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه... والباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.اللهم احفظ الكويت وأميرها وشعبها وشبابها... وسفراءها.اللهم احفظ السعودية ومصر وتركيا... كشكل من أشكال الانحياز لاعتبارات أخرى.كاتب كويتيmoh1alatwan@