«اللي يانا وياكم خير لفانا ولفاكم وشر تعدانا وتعداكمويا حبايبي صلوا على النبي... ألف الصلاة والسلام عليهزور ابن الزرزور اللي عمره ما كذب ولا حلف زورذبح بقة وترس سبعة جدوروخلى اللحوم والشحوم على الصواني تدور».هكذا كانت الفنانة الراحلة مريم الغضبان تؤدي دورها في مسلسل «حبابة» وتبدأ حزايتها «حكايتها» كل ليلة، وهكذا عشنا مع كلماتها ليالي جميلة ولحظات لا تنسى. هكذا تعلمنا الشجاعة والقوة والإحسان والعمل الجماعي، وهكذا علمتنا الأخوّة والصدق والأمانة.كنا واخوتي نستمتع بكل دقيقة في برنامجها، ولكن أكثر ما كان ينغص علينا انتهاء الحلقة هو نعاس الجدة ونومها. وأيا كان اسم الحزاية... الحكاية، القصة الصغيرة، الحدوتة، فإنها بالتأكيد قد تركت فينا أثرا جميلا وذكريات أجمل. وهنا أتوجه بالسؤال أولا للآباء وليس للأمهات، هل منكم من يروي حكاية ليلية لأبنائه أو يقرأ لهم كتابا؟وسبب تحديد الآباء دون الأمهات هو أن الأم قد بدأت تدريجيا تزحف على دور الأب وتلتهمه حتى تضاءل دوره بشكل أصبح يشكل ذلك خطرا على أسرتنا العربية الصغيرة.الأب مشغول... الأب مسافر... الأب ماله خلق... الأب تعبان... أعذار عديدة ونتائجها وخيمة، فقد قامت الأم بأدوارها وأدوار الأب حتى تلاشى دوره تماما فافتقد الأبناء حنان الأب؛ الركن الركين ودرع البيت وحصنه المتين. أمسى الأب ذكراً يحضر ويغيب ويؤمن أحيانا قوت أهل البيت وأحيانا أخرى تقوم بهذا الدور الأم أيضا.من هنا بدأت العلاقة الطبيعية والفطرية بين الابن والأب بالضعف تدريجيا حتى تكاد أن تنقطع نهائيا، ذلك أن الفتى سيبحث عمن يوفر له القدوة في المسؤولية والنموذج في العطاء العاطفي الذي افتقده تماما.وليت الأمر توقف عند ذلك...فالكثير من أمهات اليوم أيضا ألقين بأدوارهن الأسرية على الخادمات والمربيات والسواقين وأمسى دورها مثل دور الأب ينحصر في تأمين المأكل والمشرب والملبس فقط.. فقط لا غيرفضاع الابن بين ماري وكومار وضاعت أيضا هويته وأخلاقه وبره بوالديه اللذين بالكاد عرفهما.وللخروج من هذه المعضلة الكبيرة سأقترح عليكم تجربتي الشخصية علها تكون عاملا مساعدا في إعادة بناء الجسور مع أبنائنا وتحقيق الكثير من الأهداف التربوية الكثيرة حيث كنت أسرد لأبنائي قصة قبل منامهم كل ليلة.. وما زلت. وقد كانت قصة القرد تيمور التي جعلت أبنائي يعشقون قصص الليل وحكاياته... كان القرد يسرق الموز من المزرعة كل مساء وحاول صاحب المزرعة ردعه مرارا ولكنه فشل فاستعان بأبنائه لتقديم الاقتراحات بحثا عن أنسب الحلول لتلك المشكلة.قال أحدهم سأضربه بالمدفعية، وقال الآخر سأضع وايرات كهرباء خفية لأصعقه، وثالث قال انه سيضع له الموز على الأرض وسيصطاده بالشبك.. وهكذا توالت الآراء الجميلة حينا وغير الواقعية أحيانا أخرى. وبصراحة لم أكن أبحث عن إجابة بعينها بل كنت أبث فيهم روح المنافسة وأحفز أدمغتهم على التفكير والإبداع. لقد ساعدتني هذه القصص في التغلب على الكثير من مشاكل أبنائي وضبط سلوكياتهم وتوجيهها الوجهة الصحيحة التي أبتغيها.هل تعرف أن حكايات الليل والفترة التي تقضيها مع أبنائك والتي قد لا تتجاوز الربع ساعة تؤلف بين قلوب أفراد الأسرة جميعا، وأنها تنقل المعلومات التربوية لأبنائك بكل انسيابية ومن دون تكلف في النصح، وأنها تعلم أبناءك القراءة والإلقاء والخطابة وتزيد من مفرداتهم اللغوية. هل تعلم أن حصيلتهم العلمية في التاريخ والجغرافيا والأدب ستتضاعف أكثر مما تتصور، وأنها تنمي الخيال لديهم، وأنهم سيحبونك ويتعلقون بك ويحبون تلك اللحظة ويتمنونها كل يوم.أعتقد ومن خلال تجربتي الشخصية أن القصص الليلية التي ترويها الأم أو يسردها الأب لأبنائه هي أول مفاتيح النجاح في الولوج إلى عقول أبنائنا وخاصة أثناء فترة استرخائهم قبل النوم. فالعقل كما يقول علماء النفس وأخصائيو التنويم المغناطيسي هو عبارة عن كتاب ويكون مفتوحا بالكامل قبل النوم (في مرحلة اللاوعي)، ولذلك يكون العقل مستعدا لتلقي العديد من القصص التي تعزز المعاني السامية وقيم الفضيلة وحسن الخلق فيتلقفها العقل فورا ويجترها أثناء المنام حتى ترسخ فيه.وقد ذكر هذه الحقيقة الكاتب اللامع فهد عامر الأحمدي في كتابه الجديد «نظرية الفستق» وأشار لها بشكل متميز في مقاله (اغسل مخك بنفسك) وأنصح كل مهتم بتعليم أبنائه القراءة أن يطلع عليه ولو من باب الفضول وأضمن له أنه سيشعر بالفرق الكبير والتدريجي في سلوكيات أبنائه وتوجهاتهم، وبالتأكيد تقليل الخطر المتعاظم لأصدقاء السوء ووسائل الانقطاع الاجتماعية.أيها السادة إذا أردتم لأبنائكم أن يكونوا بارين وقرة عين لكم، وإذا أردتموهم أن يكونوا على الخلق الذي تتمنونه صالحين ومن أهل التقوى، وإن أردتم أن يكونوا من أهل العلم ومن أصحاب المكانة الرفيعة في المجتمع اقرأوا لهم كل ليلة قصة من خيالكم أو من كتاب اختاروه بأنفسهم وتحت إشرافكم، فالليل ليس للعشاق ومحبي السهر فقط، وإنما لأبنائنا منه نصيب كبير.وكما قال الشاعر:الـلـيلُ والـنَّهارْ زَوجانِ في مَدارْأيُّــهـمـا الأولْ؟ أيُّـهـما الـثاني؟لا يَـعلمُ الأسـرارْ إلاّ الــــذي أَدارْ كـوكَـبَنا الـدَّوَّارْالـلـيلُ والـنّهارْ زوجـانِ في مَدارْ..يــا أيُّـها الـليلُ... يــا أسـوَدَ الإزارْالـنومُ كـم يَـحلو في حُضنِكَ المُختارْ!مـا أجـملَ الأحلامْ والـذِكْرَ والأشـعارْ في روضِك المِعطارالـلـيلُ والـنّهارْ زوجـانِ في مَدارْ.